المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم وقف تعالى –على جهة التوبيخ لهم- بقوله :( أهم يقسمون رحمة ربك )، المعنى : أعلى اختيارهم وإرادتهم تنقسم الفضائل والمكانة عند الله تعالى ؟ و " الرَّحمةُ " اسم يعُمُّ جميع هذا، ثم أخبر تعالى خبرا جازما بأنه تعالى قاسم المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر بعض الناس بعضا، المعنى : فإذا كان اهتمامنا بهم أن نقسم هذا الحقير الفاني فالأحرى أن نقسم الأهمّ الخطير، وفي قوله تعالى :( نحن قسمنا بينهم معيشتهم ) تزهيد في السعايات، وعون على التوكل على الله تعالى، ولله درّ القائل :
لمّا أتى " نحن قسمنا بينهم " زار المِرا(١)
وقرأ الجمهور :[ مَعِشَتَهُمْ ]، وقرأ ابن مسعود، والأعمش :[ مَعَايِشَهُمْ ]. وقرأ جمهور الناس :[ سُخْرِيّاً ] بضم السين، وقرأ أبو رجاء، وابن محيصن :[ سِخْرِيّاً ] بكسر السين، وهما لغتان في معنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهُزْءِ في هذه الآية.
وقوله تعالى :( ورحمتُ ربّك خير مما يجمعون )، قال قتادة، والسدي يعني الجنة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
لاشك أن الجنة هي الغاية، ورحمة الله تبارك وتعالى في الدنيا بالهداية والإيمان خير من كل مال، وهذا اللفظ تحقير للدنيا،
١ - المِراءُ: الشك والريب، ويترتب عليهما الجدال..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى