الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَن يَعْشُ﴾ : العامَّة على ضم الشين مِن عشا يعشو أي : يتعامى ويتجاهل. وقتادة ويحيى بن سلام " يَعْشَ " بفتحها بمعنى يَعْمَ. وزيد بن علي " يَعْشو " بإثبات الواو. قال الزمخشري :" على أنّ " مَنْ " موصولة وحَقُّ هذا أن يقرأَ نقيضُ بالرفع ". قال الشيخ :" ولا تتعيَّنُ موصوليتُها بل تُخَرَّج على وجهين : إمَّا تقديرِ حذفِ حركةِ حرفِ العِلة، وقد حكاها الأخفش لغةً، وتقدَّم منه في سورةِ يوسفَ شواهدُ، وإمَّا على أنه جزمٌ ب " مَنْ " الموصولة تشبيهاً لها ب " مَنْ " الشرطيةِ ". قال :" وإذا كانوا قد جَزَموا ب " الذي "، وليس بشرطٍ قط فأَوْلَى بما اسْتُعْمِلَ شرطاً وغيرَ شرطٍ. وأنشد :
٣٩٩٣ ولا تَحْفِرَنْ بِئْراً تُريد أخاً بهافإنّك فيها أنت مِنْ دونِه تقَعْ
كذاكَ الذي يَبْغي على الناسِ ظالماًيُصِبْه على رَغْمٍ عواقبُ ما صَنَعْ
قال :" وهو مذهبُ الكوفيين، وله وَجْهٌ من القياسِ : وهو أنَّ " الذي " أَشْبَهَتْ اسمَ الشرطِ في دخولِ الفاءِ في خبرِها، فتُشْبِهُ اسمَ الشرطِ في الجزم أيضاً. إلاَّ أنَّ دخولَ الفاءِ منقاسٌ بشرطِه، وهذا لا ينقاسُ ".
ويقال : عَشا يَعْشُو، وعَشِي يَعْشَى. فبعضُهم جعلهما بمعنىً، وبعضُهم فَرَّقَ : بأنَّ عَشِيَ يَعْشَى إذا حَصَلَتْ الآفَةُ من بَصَرَه، وأصلُه الواوُ وإنما قُلِبَتْ ياءً لانكسارِ ما قبلها كرضِيَ يَرْضى وعَشَا يَعْشُو أي : تفاعَل ذلك. ونَظَرَ نَظَرَ العَشِي ولا آفَةَ ببصرِه، كما قالوا : عَرَجَ لمَنْ به آفةُ العَرَجِ، وعَرُجَ لمَنْ تعارَجَ، ومَشَى مِشْيَةَ العُرْجان. قال الشاعر :
٣٩٩٤ أَعْشُو إذا ما جارتي بَرَزَتْحتى يُوارِيْ جارتي الخِدْرُ
أي : أنظرُ نَظَرَ الَعَشِي. وقال آخر :
٣٩٩٥ متى تَأْتِه تَعْشُوا إلى ضَوْءِ نارِهتَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوْقِدِ
أي : تَنْظُرُ نَظَرَ العشِي لضَعْفِ بصرِه مِنْ كثرةِ الوَقودِ. وفَرَّق بعضُهم : بأنَّ عَشَوْتُ إلى النارِ إذا اسْتَدْلَلْتَ عليها بنظرٍ ضعيفٍ وقيل : وقال الفراء :" عَشا يَعْشى يُعْرِض، وعَشِي يَعْشَى عَمِيَ ". إلاَّ أنَّ ابن قتيبة قال :" لم نَرَ أحداً حكى عَشَوْتُ عن الشيء : أَعْرَضْتُ عنه، وإنما يقال : تعاشَيْتُ عن كذا إذا تغافَلْتَ عنه وتعامَيْتَ ".
وقرأ العامَّةُ " نُقَيِّضْ " بنونِ العظمةِ. وعلي بن أبي طالب والأعمش ويعقوبُ والسلميُّ وأبو عمروٍ وعاصمٌ في روايةٍ عنهما " يُقَيِّضْ " بالياء من تحت أي : يُقَيِّض الرحمنُ. و " شيطاناً " نصبٌ في القراءتين. وابن عباس " يُقَيَّضْ " مبنياً للمفعول، " شيطانٌ " بالرفع، قائمٌ مقامَ الفاعلِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى