البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
يعشو : يعرض، ويعش : يعمى. وقال ابن قتيبة : لم نر أحداً حكى : عشوت عن الشيء : أعرضت عنه، وإنما يقال : تعاشيت عن كذا وتعاميت، إذا تغافلت عنه. وتقول : عشوت إلى النار، إذا استدللت عليها ببصر ضعيف. وقيل : عشى يعشى، إذا حصلت الآفة في بصره. وعشا يعشو : نظر المعشى ولا آفة به، كما قال : عرج لمنبه الآفة، وعرج لمن مشى مشيه العرجان من غير عرج. قال الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد حير نارٍ عندها خير موقد
أي : تنظر إليها نظر المعشى، لما يضعف بصر من عظيم الوقود به، ومنه قول حاتم :
أعشو إذا ما جارتي برزتحتى يواري جارتي الخدر
وقرأ : ومن يعش، بضم الشين، أي يتعام ويتجاهل عن ذكره، وهو يعرف الحق.
وقيل : يقل نظره في شرع الله، ويغمض جفونه عن النظر في :﴿ذكر الرحمن﴾.
والذكر هنا، يجوز أن يراد به القرآن، واحتمل أن يكون مصدراً أضيف إلى المفعول، أي يعش عن أن يذكر الرحمن.
وقال ابن عطية : أي فيما ذكر عباده، فالمصدر مضاف إلى الفاعل.
انتهى، كأنه يريد بالذكر : التذكير.
وقرأ يحيى بن سلام البصري : ومن يعش، بفتح الشين، أي يعم عن ذكر الرحمن، وهو القرآن، كقوله :﴿صم بكم عمي﴾ وقرأ زيد بن علي : يعشو بالواو.
وقال الزمخشري : على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارىء أن يرفع نقيض. انتهى.
ولا يتعين ما قاله، إذ تتخرج هذه القراءة على وجهين : أحدهما : أن تكون من شرطية، ويعشو مجزوم بحذف الحركة تقديراً.
وقد ذكر الأخفش أن ذلك لغة بعض العرب، ويحذفون حروف العلة للجازم.
والمشهور عند النحاة أن ذلك يكون في الشعر، لا في الكلام.
والوجه الثاني : أن تكون من موصولة والجزم بسببها للموصول باسم الشرط، وإذا كان ذلك مسموعاً في الذي، وهو لم يكن اسم شرط قط، فالأولى أن يكون فيما استعمل موصولاً وشرطاً.
قال الشاعر :
ولا تحفرن بئراً تريد أخاً بهافإنك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالماًتصبه على رغم عواقب ما صنع
أنشدهما ابن الأعرابي، وهو مذهب الكوفيين، وله وجه من القياس، وهو : أنه كما شبه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره، فكذلك يشبه به فينجزم الخبر، إلا أن دخول الفاء منقاس إذا كان الخبر مسبباً عن الصلة بشروطه المذكورة في علم النحو، وهذا لا ينفيه البصريون.
وقرأ الجمهور : نقيض، بالنون ؛ وعلي، والسلمي، والأعمش، ويعقوب، وأبو عمرو : بخلاف عنه ؛ وحماد عن عاصم، وعصمة عن الأعمش، وعن عاصم، والعليمي عن أبي بكر : بالياء، أي يقبض الرحمن ؛ وابن عباس : يقبض مبنياً للمفعول.
﴿له شيطاناً﴾ : بالرفع، أي ييسر له شيطان ويعدله، وهذا عقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح.
كما يقال : إن الله يعاقب على المعصية بالتزايد من السيئات.
وقال الزمخشري : يخذله، ويحل بينه وبين الشياطين، كقوله :﴿وقضينا له قرناء﴾ ﴿ألم تر إنا أرسلنا الشياطين﴾ انتهى، وهو على طريقة الاعتزال.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى