البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾، قيل : هو على ظاهره، وأن جبريل عليه السلام قال له ليلة الإسراء، حين أم بالأنبياء :﴿وأسأل من أرسلنا﴾، فلم يسألهم، إذ كان أثبت يقيناً، ولم يكن في شك.
وروي ذلك عن ابن عباس، وابن جبير، والزهري، وابن زيد، وفي الأثر أن ميكال قال لجبريل : هل سأل محمد عن ذلك ؟ فقال : هو أعظم يقيناً وأوثق إيماناً من أن يسأله ذلك.
وقال ابن عباس أيضاً، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وعطاء : أراد واسأل أتباع من أرسلنا وحملة شرائعهم، إذ يستحيل سؤال الرسل أنفسهم، وليسوا مجتمعين في الدنيا.
قال الفراء : هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم، فكأنه سأل الرسل، والسؤال الواقع مجاز عن النظر، حيث لا يصلح لحقيقته، كثير منه مساءلة الشعراء الديار والأطلال، ومنه : سيد الأرض من شق نهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً.
فالسؤال هنا مجاز عن النظر في أديانهم : هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء ؟ والذي يظهر أنه خطاب للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات، فقيل له : اسأل أيها الناظر أتباع الرسل، أجاءت رسلهم بعبادة غير الله ؟ فإنهم يخبرونك أن ذلك لم يقع، ولا يمكن أن يأتوا به.
وأبعد من ذهب إلى أن المعنى : واسألني، واسألنا عن من أرسلنا، وعلق واسأل، فارتفع من، وهو اسم استفهام على الابتداء، وأرسلنا خبره في موضع نصب باسأل بعد إسقاط الخافض، كان سؤاله : من أرسلت يا رب قبلي من رسلك ؟ أجعلت في رسالته آلهة تعبد ؟ ثم ساق السؤال فحكى المعنى، فرد الخطاب إلى محمد في قوله :﴿من قبلك﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى