مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال :﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ وعنى بكونه مهينا كونه فقيرا ضعيف الحال، وبقوله ﴿ولا يكاد يبين﴾ حبسة كانت في لسانه، واختلفوا في معنى أم هاهنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله ﴿أفلا تبصرون﴾ ثم ابتدأ فقال :﴿أم أنا خير﴾ بمعنى بل أنا خير، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى ﴿أفلا تبصرون﴾ أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿أنا خير﴾ موضع تبصرون، لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله ﴿أم﴾ وقوله ﴿أنا خير﴾ ابتداء الكلام والتقدير ﴿أفلا تبصرون﴾ أم تبصرون لكنه اكتفى فيه بذكر «أم » كما تقول لغيرك : أتأكل أم. أي أتأكل أم لا تأكل، تقتصر على ذكر كلمة أم إيثارا للاختصار فكذا هاهنا، فإن قيل أليس أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يزيل الرتة عن لسانه بقوله ﴿واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي﴾ فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ فكيف عابه فرعون بتلك الرتة ؟ والجواب : عنه من وجهين :( الأول ) أن فرعون أراد بقوله ﴿ولا يكاد يبين﴾ حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام ( والثاني ) أنه عابه بما كان عليه أولا، وذلك أن موسى كان عند فرعون زمانا طويلا وفي لسانه حبسة، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرتة لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عنه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى