الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً﴾ يعني : أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز، من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوض. ومنه قول الحجاج : ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. وقال طرفة :
والفاء للعطف على محذوف، تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر، إنكاراً لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم على إنزاله الكتاب. وخلقه قرآناً عربياً ؛ ليعقلوه ويعملوا بمواجبه. وصفحاً على وجهين. إما مصدر من صفح عنه : إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم. وإمّا بمعنى الجانب من قولهم : نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه، على معنى : أفننحيه عنكم جانباً، فينتصب على الظرف كما تقول : ضعه جانباً، وامش جانباً. وتعضده قراءة من قرأ «صفحاً » بالضم. وفي هذه القراءة وجه آخر : وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح، وينتصب على الحال، أي : صافحين معرضين ﴿إِن كُنتُمْ﴾ أي : لأن كنتم. وقرىء «أَن كنتم » وإذ كنتم.
فإن قلت : كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البتّ ؟ قلت : هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر، المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك ؛ ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق : فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه استجهالاً له.
| اضْرِبَ عَنْكَ الْهُمُومَ طَارِفَهَا | ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الْفَرَسِ |
فإن قلت : كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البتّ ؟ قلت : هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر، المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك ؛ ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق : فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه استجهالاً له.