الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا﴾ ( صفحا ) مصدر، كأنه قال : أفنصفح عنكم صفحا(١).
وقيل : هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال : أفنضرب عنكم الذكر صافحين(٢). كما نقول : جاء زيد مشيا، أي : ماشيا.
ويجوز أن يكون صفحا بمعنى : ذو صفح، كما تقول : رجل عدل ( ورضيى أي : عادل وراض )(٣)، وذو عدل وذو رضى(٤). يقال : أضربت(٥) عنك بمعنى : أعرضت(٦) عنك وتركتك(٧).
والمعنى : أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا(٨) من أجل أنكم قوم مشركون.
قال مجاهد : معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون(٩).
وقال السدي : معناه :( أفنضرب عنكم العذاب )(١٠).
وقال ابن عباس : معناه :( أحسبتم أن نصفح عنكم ولما(١١) تفعلوا(١٢) ما أمرتم به )(١٣).
وقال قتادة :( معنى )(١٤) :﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين﴾ أي : مشركين/، والله لو كان هذا(١٥) القرآن ( رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك )(١٦).
قال الضحاك : الذكر هنا : القرآن(١٧). وقال أبو صالح : الذكر : العذاب(١٨). وقيل :( الذكر : التذكير )(١٩). والمعنى : أفنترك تذكيركم(٢٠) بهذا القرآن فلا نذكركم(٢١) به عقاب(٢٢) الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس(٢٣).
فيكون المعنى : فنهملكم(٢٤) ( ونذكركم )(٢٥) سدى ولا نذكركم ( لأنكم )(٢٦) كنتم قوما مسرفين.
وهذا كله على قراءة من فتح ( أن )، فأما من كسر ( أن )(٢٧) فقد رده(٢٨) أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما(٢٩) وبخوا على شيء قد ثبت(٣٠) ومضى، فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى.
والمكسورة معناها لما(٣١) يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد.
والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ(٣٢).
وقال سيبويه : سألت الخليل عن ( قول الشاعر وهو(٣٣) ) الفرزدق(٣٤) :
أتغضب(٣٥) أنْ أذْنا قتيبة حُُزَّتا(٣٦)جهارا(٣٧) ولم تغضض لقتل ابن حازم(٣٨).
فقال : هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل(٣٩)، يريد أن ( أنْ )(٤٠) المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو ( حزتا ).
وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره :﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ ( أي : وإن استجارك أحد من المشركين استجارك )(٤١). فعلى(٤٢) هذا تقدير البيت إن كسرت والتقدير : إن حزت(٤٣) أذنا قتيبة حزتا.
ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر(٤٤) الألف. ويكون المعنى للماضي(٤٥) في البنية واللفظ للاستقبال(٤٦). وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير :﴿أن صدوكم عن المسجد الحرام﴾(٤٧) بالكسر(٤٨).
وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يومنوا﴾(٤٩) والكسر في هذا إجماع من القراء(٥٠) وتركهم للإيمان(٥١) أمر قد تقدم وكان. فهو – لو حمل على نظائره – في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة ( وفي غيرها )(٥٢) على معنى : إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء(٥٣) في قوله :﴿وامرأة مومنة إن وهبت نفسها﴾(٥٤).
والمشهورة(٥٥) من القراء(٥٦) على الكسر أجمعوا.
وقد قرئ(٥٧) بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى(٥٨).
والكسر على معنى : إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي ( الآيات المذكورات )(٥٩).
١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٤٩، والبيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٥٢..
٢ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٤٩، وجامع القرطبي ١٦/٦٣..
٣ في طرة (ت)..
٤ (ح): رض..
٥ (ت): وضربة..
٦ (ت): (عرضت) متآكل..
٧ قال بهذا: الفراء. انظر إعراب النحاس ٤/٩٨..
٨ (ح): (بعقوبنا)..
٩ انظر تفسير مجاهد ٢/٥٧٩، وجامع البيان ٢٥/٣٠، والمحرر الوجيز ١٤/٢٤١، وجامع القرطبي ١٦/٦٢، وتفسير ابن كثير ٤/١٢٣..
١٠ انظر جامع البيان ٢٥/٣٠، وجامع القرطبي ١٦/٦٢، وتفسير ابن كثير ٤/١٢٣..
١١ (ح): ولم..
١٢ (ت): تعقلوا..
١٣ انظر جامع البيان ٢٥/٣٠، والمحرر الوجيز ١٤/٢٤١، وجامع القرطبي ١٦/٦٢، وتفسير ابن كثير ٤/١٢٣..
١٤ (ت) و(ح): (معناه)..
١٥ ساقط من (ت)..
١٦ انظر جامع البيان ٢٥/٣٠، وجامع القرطبي ١٦/٦٢، وتفسير ابن كثير ١٤/١٢٣..
١٧ انظر إعراب النحاس ٤/٩٨، والمحرر الوجيز ١٤/٢٤٠..
١٨ انظر جامع البيان ٢٥/٣٠، وجامع القرطبي ١٦/٦٢..
١٩ انظر جامع القرطبي ١٦/٦٢..
٢٠ (ت): (تذكيرهم)..
٢١ (ت): تذكركم..
٢٢ (ح): (عذاب)..
٢٣ انظر جامع البيان ٢٥/٣٠، وجامع القرطبي ١٦/٦٢..
٢٤ (ت) : فنهلككم..
٢٥ (ت)ك وندركم بمهملة و(ح): ونذكركم..
٢٦ (ت) و(ح): لأن..
٢٧ ساقط من (ح)..
٢٨ قرأ بالكسر نافع وحمزة والكسائي، وقرأ بالفتح ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر.
انظر الكشف ٢/٢٥٥، وحجة القراءات ٦٤٤، والسبعة ٥٨٤، والمحرر الوجيز ١٤/٢٤١، وسراج القارئ ٣٤٦، وغيث النفع ٣٤٧..

٢٩ ساقط من (ح)..
٣٠ (ح): ثب..
٣١ (ح): ما..
٣٢ لم أقف عليه في معاني الزجاج ٤/٤٠٥..
٣٣ (ت): الشاعر قول..
٣٤ هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق. شاعر من البصرة وكان من الفحول حتى قيل: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس، وهو ثالث ثلاثة أقطاب شعر النقائض. توفي سنة ١١٠ هـ. انظر الكامل ١/٤٦٨ و٥٢١ والبداية ٩/٢٦٥..
٣٥ (ح): هم الغضب..
٣٦ (ح): حدثا..
٣٧ (ت): جصارا..
٣٨ البيت للفرزدق. وهو من البحر الطويل.
انظر الكتاب ٣/١٦١، وجامع البيان ٢٥/٣١، والخزانة ٤/٢٠، وهو في جامع البيان بلفظ أتجزع... وفي الكتاب والخزانة: ابن خازم..

٣٩ (ح): وألف..
٤٠ (ح): من..
٤١ ساقط من (ح)..
٤٢ (ت): فعل..
٤٣ (ح): أحدث..
٤٤ (ح): كسر..
٤٥ (ت) و(ح): للمضي..
٤٦ (ح): الاستقبال..
٤٧ المائدة آية ٣..
٤٨ انظر سراج القارئ ١٩٨، وغيث النفع ٢٠٠، ولامية ويسعدن في القراءات (ظهر الورقة ٨)..
٤٩ الكهف آية ٦..
٥٠ (ح): القرى..
٥١ (ح) الإيمان.
٥٢ (ت) وغيرها..
٥٣ (ح): القرى..
٥٤ الأحزاب آية ٥..
٥٥ (ح): والمشهور..
٥٦ (ح): والقرى..
٥٧ (ح): قرباي..
٥٨ قرأ الحسن (أن وهبت) بفتح الهمزة. انظر جامع القرطبي ١٤/٢١٠..
٥٩ (ت): الآية المذكورة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى