تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
بعد أن أمعن في إبطال أن يكون إله غير الله بما سِيق من التفصيلات، جاء هنا بكلمة جامعة لإبطال زعمهم إلهية غير الله بقوله :﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ أي سألتهم سؤال تقرير عمن خلقهم فإنه يُقرّون بأن الله خلقهم، وهذا معلوم من حال المشركين كقول ضِمام بن ثعلبة للنبيء ﷺ « أسألك بربّك وربّ من قبلك آلله أرسلك » ولأجل ذلك أُكِّد إنهم يقرون لله بأنه الخالق فقال :﴿ليقولن الله﴾، وذلك كاففٍ في سفاهة رأيهم إذ كيف يكون إلها من لم يخلق، قال تعالى :﴿أفمن يخلق كمَن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧].
والخطاب في قوله :﴿سألتهم﴾ للنبيء ﷺ ويجوز أن يكون لغير معيّن، أي إن سألهم من يتأتى منه أن يسأل. وفرع على هذا التقرير والإقرار الإنكارُ والتعجيبُ من انصرافهم من عبادة الله إلى عبادة آلهة أخرى بقوله :﴿فأنى يؤفكون﴾.
و ( أنّى ) اسم استفهام عن المكان فمحله نصب على الظرفية، أي إلى أيِّ مكان يصرفون. و ﴿يؤفكون﴾ يُصْرَفون : يقال : أفكَه عن كذا، يأفِكه من بابْ ضَرب، إذا صرفه عنه، وبُني للمجهول إذ لم يصرفهم صارف ولكن صرفوا أنفسهم عن عبادة خالقهم، فقوله :﴿فأنى يؤفكون﴾ هو كقول العرب : أين يُذهَب بك، أي أين تذهب بنفسك إذ لا يريدون أن ذاهباً ذهب به يسألونه عنه ولكن المراد : أنه لم يذهب به أحد وإنما ذهب بنفسه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى