الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ : في " مَنْ " هذه وجهان، أظهرهما : أنها موصولةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء " كمَنْ نجا ". وقَدَّره الزمخشري :" فأنت تُخَلِّصُه " قال :" حُذِفَ لدلالةِ " أفأنت تُنْقِذُ " عليه. وقَدَّره غيرُه " تتأسَّفُ عليه ". وقدَّره آخرون " يَتَخَلَّص منه " أي : من العذاب/ وقدَّر الزمخشريُّ على عادته جملةً بين الهمزة والفاء. تقديرُه : أأنت مالِكُ أَمْرِهم، فمَنْ حَقَّ عليه كلمةُ العذاب. وأمَّا غيرُه فيدَّعي أن الأصلَ تقديمُ الفاءِ وإنما أُخِّرَتْ لِما تستحقُّه الهمزةُ من التصديرِ. وقد تقدَّمَ تحقيق هذين القولين غيرَ مرةٍ. والثاني : أَنْ تكون " مَنْ " شرطيةً، وجوابُها : أفأنت. فالفاء فاءُ الجوابِ دَخَلَتْ على جملةِ الجزاءِ، وأُعيدتِ الهمزةُ لتوكيد معنى الإِنكار، وأوقع الظاهرَ وهو ﴿مَن فِي النَّارِ﴾ موقعَ المضمرِ، إذ كان الأصلُ : أفأنت تُنْقِذُه. وإنما وَقَعَ موقعَه شهادة عليه بذلك. وإلى هذا نحا الحوفيُّ والزمخشري. قال الحوفي :" وجيْءَ بألف الاستفهام لَمَّا طَال الكلامُ توكيداً، ولولا طولُه لم يَجُزْ الإِتيانُ بها ؛ لأنه لا يَصْلُحُ في العربيةِ أَنْ يأتيَ بألف الاستفهام في الاسمِ وألفٍ أخرى في الجزاء. ومعنى الكلام : أفأنت تُنْقِذُه. وعلى القول بكونِها شرطيةً يترتَّبُ على قولِ الزمخشري وقولِ الجمهور مسألةٌ : وهو أنَّه على قولِ الجمهورِ يكونُ قد اجتمع شرطٌ واستفهامٌ. وفيه حينئذٍ خلافٌ بين سيبويه ويونسَ : هل الجملة الأخيرةُ جواب الاستفهام وهو قولُ يونسَ، أو جوابٌ للشرط، وهو قولُ سيبويه ؟ وأمَّا على قَوْلِ الزمخشريِّ فلم يَجْتمع شرطٌ واستفهامٌ ؛ إذ أداةُ الاستفهامِ عندَه داخلةٌ على جملةٍ محذوفةٍ عُطِفَتْ عليها جملةُ الشرط، ولم يَدْخُلْ على جملةِ الشرطِ. وقوله :" أفأنت تُنْقِذُ " استفهامُ توقيفٍ وقُدِّم فيها الضميرُ إشعاراً بأنك لست قادراً على إنقاذِه إنَّما القادرُ عليه اللَّهُ وحدَه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى