تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ذكر الله تعالى في هذه السورة أشياء، لا تقدر لها أجوبة في الظاهر إلا بالتأمل والاستدلال على غيره.
من ذلك ما ذكر :﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ كأنه يقول : والله أعلم، " أفمن حق عليه العذاب " كمن له البشرى في الآخرة. لأنه ذكر في ما تقدم للمؤمنين البشرى حين قال عز وجل :﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] على هذا يخرج جوابه : أفمن وجب عليه العذاب كمن وجبت له البشرى ؟ أو يقول : أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره الإسلام ؟ أي ليس الذي وجب له العذاب كالذي شرح صدره للإسلام، أو يقول هذا لنازلة، كانت لرسول الله ﷺ لحرصه على إسلام قوم أحب أن يسلموا، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم ؛ يقول : أفمن وجب عليه العذاب ؟ أفأنت تنقذه ؟ وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب ؟ وهو ما قال عز وجل :﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] وكقوله :﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ [يونس: ٩٩] كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام، لكنه كان يحب، ويحرص على إسلامهم، ويحزن لتركهم الإسلام كقوله ﴿ولا تحزن عليهم﴾ [النحل: ١٢٧] وقوله :﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣]وقوله :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨] ونحو ذلك.
كان يحزن، وكادت نفسه تتلف إشفاقا عليهم، فيقول : أفمن وجب، وحق عليه العذاب، تقدر أن تنقذه من النار ؟ أي لا تقدر على ذلك، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى