فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما ذكر سبحانه الآخرة، ووصفها بوصف يوجب الرغبة فيها، والشوق إليها أتبعه بذكر الدنيا، ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها، والنفرة منها، فذكر تمثيلاً لها في سرعة زوالها، وقرب اضمحلالها مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته الباهرة، وصنعه البديع، فقال :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ أي من السحاب مطراً ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ في الأرض﴾ أي : فأدخله، وأسكنه فيها، والينابيع جمع ينبوع من نبع الماء ينبع، والينبوع عين الماء، والأمكنة التي ينبع منها الماء، والمعنى : أدخل الماء النازل من السماء في الأرض، وجعله فيها عيوناً جارية، أو جعله في ينابيع، أي في أمكنة ينبع منها الماء، فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض. قال مقاتل : فجعله عيوناً، وركايا في الأرض ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ أي يخرج بذلك الماء من الأرض زرعاً مختلفاً ألوانه من أصفر، وأخضر، وأبيض، وأحمر، أو من برّ وشعير، وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يقال : هاج النبت يهيج هيجاً إذا تمّ جفافه. قال الجوهري : يقال هاج النبت هياجاً : إذا يبس، وأرض هائجة يبس بقلها، أو اصفّر، وأهاجت الريح النبت أيبسته. قال المبرد : قال الأصمعي : يقال هاجت الأرض تهيج : إذا أدبر نبتها، وولى. قال : وكذلك هاج النبت. ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ أي : تراه بعد خضرته ونضارته، وحسن رونقه مصفرًّا قد ذهبت خضرته ونضارته ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما﴾ أي متفتتاً منكسراً، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لذكرى لأُِوْلِى الألباب﴾ أي فيما تقدّم ذكره تذكير الأهل العقول الصحيحة، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها، فيتفكرون ويعتبرون، ويعلمون بأن الحياة الدّنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم، وقرب التقضي، وذهاب بهجتها، وزوال رونقها ونضارتها، فإذا أنتج لهم التفكر والاعتبار العلم بذلك، لم يحصل منهم الاغترار بها، والميل إليها، وإيثارها على دار النعيم الدائم، والحياة المستمرة، واللذة الخالصة، ولم يبق معهم شك في أن الله قادر على البعث والحشر، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك. وقيل هو مثل ضربه الله للقرآن، ولصدور من في الأرض. والمعنى : أنزل من السماء قرآناً، فسلكه في قلوب المؤمنين، ثم يخرج به ديناً بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيماناً ويقيناً، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير. قرأ الجمهور :﴿ثم يجعله﴾ بالرفع عطفاً على ما قبله، وقرأ أبو بشر بالنصب بإضمار أن، ولا وجه لذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ الآية. قال : ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله :﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾ فمن سرّه أن يعود الملح عذباً فليصعده. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله :﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام﴾ قال : أبو بكر الصديق. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : تلا النبي ﷺ هذه الآية ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ﴾ قلنا : يا نبيّ الله كيف انشراح صدره ؟ قال :«إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» قلنا : فما علامة ذلك يا رسول الله ؟ فقال :«الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت». وأخرجه ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعاً مرسلاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر : أن رجلاً قال : يا نبيّ الله أي المؤمنين أكيس ؟ قال :«أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع» فقالوا : ما آية ذلك يا نبيّ الله ؟ قال :«الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت» وأخرجه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، عن رسول الله ﷺ بنحوه وزاد فيه ثم قرأ :«﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ﴾».
وأخرج الترمذي، وابن مروديه، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : قال رسول الله :«لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قالوا يا رسول الله لو حدّثتنا، فنزل :﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ الآية». وأخرج ابن مردويه عنه في قوله :﴿مَّثَانِيَ﴾ قال : القرآن كله مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويردّ بعضه إلى بعض. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : كتاب الله مثاني ثني فيه الأمر مراراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدّتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرؤوا القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم، قلت : فإن ناساً هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، قالت : أعوذ بالله من الشيطان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب﴾ قال : ينطلق به إلى النار مكتوفاً، ثم يرمى به فيها، فأوّل ما تمسّ وجهه النار.
وأخرج الترمذي، وابن مروديه، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : قال رسول الله :«لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قالوا يا رسول الله لو حدّثتنا، فنزل :﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ الآية». وأخرج ابن مردويه عنه في قوله :﴿مَّثَانِيَ﴾ قال : القرآن كله مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويردّ بعضه إلى بعض. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : كتاب الله مثاني ثني فيه الأمر مراراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدّتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرؤوا القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم، قلت : فإن ناساً هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، قالت : أعوذ بالله من الشيطان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب﴾ قال : ينطلق به إلى النار مكتوفاً، ثم يرمى به فيها، فأوّل ما تمسّ وجهه النار.