التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - جابنا من مظاهر تكريمه لهم، ورحمته بهم فقال :﴿لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
واللام فى قوله :﴿لِيُكَفِّرَ...﴾ متعلقة بمحذوف، أى أعطاهم - سبحانه - ما أعطاهم من فضله ورحمته ليكفر عنهم أسوأ الذنوب التى عملوها، كالكفر قبل الإِسلام، بأن يغفر لهم ذلك ولا يؤاخذهم عليه.
وإذا غفر الله - تعالى - لهؤلاء المتقين أسوأ أعمالهم، غفر لهم - بفضله ورحمته ما هو دونه بالطريق الأولى.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أى : ويعطيهم ثواب أعمالهم ﴿بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أى : يعطيهم فى مقابل عملهم الصالح فى الدنيا جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
على هذا التفسير يكون قوله - تعالى - : أسوأ وأحسن، أفعل تفضيل حيث كفر - سبحانه - عنهم أسوأ أعمالهم، وكافأهم على أعمالهم بما هو أحسن منها وهو الجنة.
وهذا منتهى الفضل والإِحسان من الله - تعالى - لعباده المتقين، حيث عاملهم بالفضل ولم يعاملهم بالعدل.
ومنهم من يرى أن قوله : أسوأ وأحسن، بمعنى السيئ والحسن، فيكون أفعل التفضيل ليس على بابه، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذى عملوا ؟ وما معنى التفضيل فيهما ؟.
قلت : أما الإِضافة فما هى من إضافة أفعل إلى الجملة التى يفضل عليها، ولكن من إضافة الشئ إلى ما هو بعضه من غير تفضيل. كقولك : الأشج أعدل بنى مروان.
وأما التفضيل فإيذان بأن السيئ الذى يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة، هو عندهم الأسوأ لاستعاظامهم المعصية، والحسن الذى يعملونه هو عند الله الأحسن ؛ لحسن إخلاصهم فيه، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ، وحسنهم بالأحسن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى