فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى﴾ هذا مقرر لما سبق من إبطال قول المشركين بأن الملائكة بنات الله لتضمنه استحالة الولد في حقه سبحانه على الإطلاق، فلو أراد أن يتخذ ولدا لامتنع اتخاذ الولد حقيقة، ولم يتأت ذلك إلا بأن يصطفي ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي يختار من جملة خلقه.
﴿مَا يَشَاءُ﴾ أن يصطفيه إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق لعدم المجانسة بينهما، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبدا، كما يفيده التعبير بالاصطفاء، مكان الاتخاذ، فمعنى الآية لو أراد أن يتخذ ولدا لوقع منه شيء ليس هو من اتخاذ الولد، بل إنما هو الاصطفاء لبعض مخلوقاته، ولهذا نزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد على الإطلاق فقال :﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيها له عن ذلك وجملة ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ مبينة لتنزهه بحسب الصفات بعد تنزهه بحسب الذات، أي هو المستجمع لصفات الكمال المتوحد في ذاته فلا مماثل له.
﴿الْقَهَّارُ﴾ لكل مخلوقاته، ومن كان متصفا بهذه الصفات استحال وجود الولد في حقه، لأن الولد مماثل لوالده، ولا مماثل له سبحانه، ومثل هذه الآية قوله سبحانه ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ والآية إشارة إلى قياس استثنائي حذفت صغراه، ونتيجته تقريرهما، لكنه لم يصطف أي لم يتخذ ولدا، وهذا النفي باعترافهم شامل لسائر الخلائق، فلم يرد اتخاذ الولد، تأمل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى