الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى ذكره :﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾.
قال ابن عباس : قال بعض أهل مكة : يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا(١) الآية(٢).
وقيل : إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم : ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر : أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته(٣).
قال مجاهد : الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية(٤). وقال عطاء بن يسار(٥) : نزلت هذه الثلاث(٦) الآيات في وحشي وأصحابه(٧)، وروى ذلك عن ابن عباس(٨)، قال : فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات(٩).
وقيل : نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول : إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم(١٠).
فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي : أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم.
وقال قتادة : ذكر لنا أن قوما أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية فلما جاء الإٍسلام أشفقوا إن لم يتب(١١) عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية(١٢).
قال السدي : هي في المشركين، كقول ابن عباس : وهو قول ابن زيد(١٣).
وكان ابن مسعود يقول(١٤) : إن أكثر آية فرجا(١٥) في القرآن :﴿يا عبادي الذين أسرفوا﴾ الآية(١٦).
وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال : كنا نقول : لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون : ما الله بقابل منا شيئا، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل(١٧) فيهم :﴿يا عبادي الذين أسرفوا﴾ الثلاث الآيات.
قال عمر : فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي(١٨). قال هشام : فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِما كُنّا نقول، قال : فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة(١٩).
وروي عن ابن عمر : أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة(٢٠)، والوليد ابن الوليد(٢١) ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول : لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا(٢٢)، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به ! فنزلت هذه الآيات(٢٣).
وقال ابن عمر : هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال : بل أرجى آية في القرآن. ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾(٢٤).
وروى شهر(٢٥) عن أسماء(٢٦) أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية : " إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم " (٢٧).
وقال القرظي(٢٨) هي للناس أجمع(٢٩).
وقيل : المعنى : يغفر الذنوب جميعا لمن تاب(٣٠).
( وهذا لجماع(٣١) ) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها(٣٢).
وقيل : هذه الآية منسوخة بقوله :﴿ومن يقتل مومنا متعمدا﴾(٣٣) الآية، وبقوله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾(٣٤).
والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة(٣٥) على ما بينا من المعنى الذي ذكرنا.
١ (ح): ﴿أسرفوا على أنفسهم﴾..
٢ انظر: جامع البيان ٢٤/١٠، وأسباب النزول ٢٤٨، وجامع القرطبي ١٥/٢٦٨، وتفسير ابن كثير ٤/٥٩..
٣ انظر: لباب النقول ١٨٩. وفي (ح): رحمة الله سبحانه..
٤ انظر: تفسير مجاهد ٢/٥٩٩، وجامع البيان ٢٤/١٠..
٥ هو عطاء بن يسار أبو محمد الهلالي المدني، فقيه، ثقة. روى عن ابن مسعود وأبي بن كعب، وروى عنه أبو جعفر الباقر وعمرو بن دينار. توفي سنة ١٠٣، وقيل ٩٤ هـ.
انظر: تذكرة الحفاظ ١/٩٠ ت٨٠، وتقريب التهذيب ٢/٢٣ ت ٢٠٤..

٦ (ح): الثلاثة..
٧ انظر: جامع البيان ٢٤/١٠، والمحرر الوجيز ١٤/٩٤..
٨ انظر: الدر المنثور ٢٧/٢١٠..
٩ (ح) آية. انظر: معاني الفراء ٢/٤٢١، وأسباب النزول ٢٤٩، وجامع القرطبي ١٥/٢٦٨، ولباب النقول ١٩٠..
١٠ انظر: أسباب النزول ٢٤٩..
١١ (ع) و(ح): (لم يتاب) والصواب ما أثبتناه لأن الأجوف الساكن يحذف وسطه..
١٢ انظر: جامع البيان ٢٤/١٠، والمحرر الوجيز ١٤/٩٤..
١٣ انظر: جامع البيان ٢٤/١٠، وفي المحرر الوجيز ١٤/٩٤ عن السدي فقط..
١٤ ساقط من (ح)..
١٥ (ح): فرحا..
١٦ انظر: جامع البيان ٢٤/١١، وتفسير ابن مسعود ٥٤٢..
١٧ (ح): أنزل الله..
١٨ هو هشام بن العاص بن وائل بن هاشم، صحابي، هو أخو عمرو بن العاص، أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد إلى مكة حين بلغته هجرة النبي ﷺ إلى المدينة للحاق به، فحبسه أبوه وقومه بمكة حتى وقعة (الخندق)، ورحل إلى المدينة، فشهد عدة وقائع، واستشهد في أجنادين سنة ١٣ هـ. وقيل في اليرموك.
انظر: طبقات ابن سعد ٤/١٩٠، والإصابة ٣/٦٠٥ ت ٨٩٦٧..

١٩ أخرجه الحاكم في مستدركه ٢/٤٣٥، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والهيثمي في مجمع الزوائد ٦/٦١، وقال: رواه البزار ورجاله ثقات، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان ٢٤/١١ وابن هشام في سيرته ١/٤٧٥.
وانظره في إعراب النحاس ١٤/١٦، والمحرر الوجيز ١٤/٩٤، وأسباب النزول ٢٤٩، وجامع القرطبي ١٥/٢٦٨، وتفسير ابن كثير ٤/٦١..

٢٠ هو عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة القرشي المخزومي يكنى أبا عبد الرحمن، واسم أبيه عمرو، يلقب ذا الرمحين، أسلم قديما وهاجر الهجرتين استشهد باليمامة وقيل باليرموك وقيل مات سنة ١٥ هـ.
انظر: الاستيعاب ٣/١٢٣٠ت ٢٠٠٩، والتقريب ٢/٩٥ ت ٨٤٨..

٢١ هو الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، من أشراف قريش وأجوادهم في الجاهلية، وهو أخو خالد بن الوليد. أدرك الإسلام وثبت على وثنية قومه، فأسره المسلمون يوم بدر، ثم أسلم. مات بالمدينة سنة ٧ هـ.
انظر: طبقات ابن سعد ٤/١٣١، وأُسد الغابة ٤/٦٧٨ ت ٥٤٧٢، والإصابة ٣/٦٣٩ ت ٩١٥١..

٢٢ (ح): الآية..
٢٣ انظر: جامع البيان ٢٤/١١، وأسباب النزول ٢٤٨..
٢٤ الرعد آية ٧. وانظر: إعراب النحاس ٤/١٦، والمحرر الوجيز ١٤/٩٥، وجامع القرطبي ١٥/٢٦٩. ولم يرد في المحرر الوجيز رد ابن عباس..
٢٥ هو شهر بن حوشب أبو سعيد الأشعري الشامي ثم البصري، تابعي مشهور، فقيه وقارئ ومحدث. مات سنة ١٠٠ هـ. وقيل غير ذلك.
انظر: الحلية ٦/٥٩ ت ٣٢٨، وغاية النهاية ١/٣٢٩ ت ١٤٣٤، والتقريب ١/٣٥٥ ت ١١٢..

٢٦ هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية، من أخطب النساء، ومن ذوات الشجاعة والإقدام، أسلمت في السنة الأولى من الهجرة وحضرت وقعة اليرموك سنة ١٣ هـ، كانت تسقي الظماء، وتضمد الجرحى، صرعت بعمود خيمتها تسعة من الروم. توفيت سنة ٣٠ هـ.
انظر: حلية الأولياء ٢/٧٦ ت ١٥٩، والإصابة ٤/٢٣٤ ت ٥٨، والتقريب ٢/٥٨٩ ت ٨..

٢٧ أخرجه الترمذي في أبواب التفسير، سورة الزمر، ح ٣٢٩٠ عن أسماء بمعناه، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب.
وانظره في إعراب النحاس ٤/١٦، وجامع القرظي ١٥/٢٦٩، وتفسير ابن كثير ٤/٥٩..

٢٨ هو محمد بن كعب بن سليم أبو حمزة القرظي الأنصاري. صحابي جليل، عالم ثقة. توفي سنة ١١٧ هـ.
انظر: الحلية ٣/٢١٢ ت ٢٣٩، والاستيعاب ٣/١٣٧٧ ت ٢٣٤٣، وتقريب التهذيب ٢/٢٠٣ ت ٦٥٩..

٢٩ انظر: جامع البيان ٢٤/١١..
٣٠ انظر: الإيضاح ٣٩٨..
٣١ (ح): (وهو من إجماع)..
٣٢ انظر: الإيضاح ٣٩٨..
٣٣ النساء آية ٩٢..
٣٤ النساء: ٤٧ و ١١٥..
٣٥ انظر: الإيضاح ٣٩٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى