محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥٣ من سورة الزمر في ١٠٦ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥٣ من سورة الزمر

١٠٦ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿قُلْ يا عبادي الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ﴾.
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم : عني بها قوم من أهل الشرك، قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله : كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، فنزلت هذه الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : قُل يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ وذلك أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرّم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس التي حرّم الله ونحن أهل الشرك ؟ فأنزل الله : يا عِبادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ يقول : لا تيأسوا من رحمتي، إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال : وأنِيبُوا إلى رَبّكُمْ وأسْلِمُوا لَهُ وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل الإيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه، أن لا يقنط من رحمة الله، وأن ينيب ولا يبطئ بالتوبة من ذلك الإسراف، والذنب الذي عمل وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة، فقالوا : رَبّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإسْرافَنا فِي أمْرِنا وَثَبّتْ أقْدَامَنا فينبغي أن يعلم أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف، فأمرهم بالتوبة من إسرافهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : الّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ قال : قتل النفس في الجاهلية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال : نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشيّ وأصحابه يا عِبادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ إلى قوله : مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني أبو صخر، قال : قال زيد بن أسلم، في قوله : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ قال : إنما هي للمشركين.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ حتى بلغ الذّنُوبَ جَمِيعا قال : ذكر لنا أن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يُتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الاَية : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ قال : هؤلاء المشركون من أهل مكة، قالوا : كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى، أو قتل، أو أشرك بالرحمن كان هالكا من أهل النار ؟ فكلّ هذه الأعمال قد عملناها فأنزلت فيهم هذه الاَية : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ. . . الاَية قال : كان قوم مسخ وطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيه قالوا : لو أتينا محمدا ﷺ فآمنا به واتبعناه فقال بعضهم لبعض : كيف يقبلكم الله ورسوله في دينه ؟ فقالوا : ألا نبعث إلى رسول الله ﷺ رجلاً ؟ فلما بعثوا، نزل القرآن : قُل يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ فقرأ حتى بلغ : فأكُونَ مِنَ المُحْسِنِين.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن الشعبيّ، قال : تجالس شتير بن شكل ومسروق فقال شتير : إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك، وإما أن أحدّث فتصدّقني فقال مسروق : لا بل حدّث فأصدّقك، فقال : سمعت ابن مسعود يقول : إن أكبر آية فرجا في القرآن يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ فقال مسروق : صدقت.
وقال آخرون : بل عُني بذلك أهل الإسلام، وقالوا : تأويل الكلام : إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء، قالوا : وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقالوا : إنما نزلت هذه الاَية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم، فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال : قال يعني عمر : كنا نقول : ما لمن افتتن من توبة وكانوا يقولون ما الله بقابل منا شيئا، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ. . . الاَية، قال عمر : فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام : فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا أفهمها، فوقع في نفسي أنها أنزلت فينا لما كنا نقول، فجلست على بعيري، ثم لحقت بالمدينة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال : إنما أنزلت هذه الاَيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذّبوا، فافتنوا كنا نقول : لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلاً أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذّبوه، فنزلت هؤلاء الاَيات، وكان عمر بن الخطاب كاتبا قال : فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عَيّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، إلى أولئك النفر، فأسلموا وهاجروا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا يونس، عن ابن سيرين، قال : قال علي رضي الله عنه : أي آية في القرآن أوسع ؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءا أوْ يظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورا رَحِيما ونحوها، فقال علي : ما في القرآن آية أوسع من : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، قال : دخل عبد الله المسجد، فإذا قاصّ يذكر النار والأغلال، قال : فجاء حتى قام على رأسه، فقال يا مذكّرُ أتقنط الناس يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ. . . الاَية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه قال في هذه الاَية : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ قال : هي للناس أجمعين.
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قنبل، قال : سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول : ثني أبو عبيد الرحمن الجلائي، أنه سمع ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«ما أُحِبّ أنّ لي الدّنْيا وَما فِيها بهَذهِ الاَيَةِ » : يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ. . . الاَية، فقال رجل : يا رسول الله، ومن أشرك ؟ فسكت النبي ﷺ، ثم قال :«أَلا وَمَنْ أشْرَكَ، ألا وَمَنْ أشْرَكَ » ثلاث مَرّات.
وقال آخرون : نزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن البرقي، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال : حدثنا أبو معاذ الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر، قال : كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أو نقول : إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت هذه الاَية أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وَلا تبْطِلوا أعْمالَكُمْ فلما نزلت هذه الاَية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر والفواحش، قال : فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا : قد هلك، حتى نزلت هذه الاَية إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلكَ لِمَنْ يَشاءُ فلما نزلت هذه الاَية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عني تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك، لأن الله عمّ بقوله يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفا دون مسرف.
فإن قال قائل : فيغفر الله الشرك ؟ قيل : نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عني بقوله إنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعا لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل، أن ابن مسعود كان يقرؤه : وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال : إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله : إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحا فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به.
وأما قوله : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ فإنه يعني : لا تيأسوا من رحمة الله. كذلك :
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس.
وقد ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبيّنا معناه.
وقوله : إنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعا يقول : إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرّحِيمُ بهم، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يعني: دلالات وعلامات (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يعني: يصدقون بالحقّ، فيقرّون به إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك، قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، فنزلت هذه الآية.
* ذكر من قال ذلك:
محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرّم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس التي حرم الله ونحن أهل الشرك؟ فأنزل الله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) يقول: لا تيأسوا من رحمتي، إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل الإيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه، أن لا يقنط من رحمة الله، وأن ينيب ولا يبطئ بالتوبة من ذلك الإسراف، والذنب الذي عمل، وقد ذر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة، فقالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) فينبغي أن يعلم
أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف، فأمرهم بالتوبة من إسرافهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) قال: قتل النفس في الجاهلية.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشيّ (١) وأصحابه (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) إلى قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) قال: إنما هي للمشركين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) حتى بلغ (الذُّنُوبَ جَمِيعًا) قال: ذكر لنا أن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) قال: هؤلاء المشركون من أهل مكة، قالوا: كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى، أو قتل، أو أشرك بالرحمن كان هالكا من أهل النار؟ فكلّ هذه الأعمال قد عملناها، فأنزلت فيهم هذه الآية: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:
(١) هو وحشي بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم، وهو قاتل حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد، وكان فاتكا يشرب الخمر ثم أسلم بعد. (انظر خلاصة الخزرجي).
(يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)... الآية قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيه قالوا: لو أتينا محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأمنا به واتبعناه، فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسوله فى دينه؟ فقالوا: ألا نبعث إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا؟ فلما بعثوا، نزل القرآن: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) فقرأ حتى بلغ: (فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي، قال: تجالس شتير بن شكل ومسروق فقال شتير: إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك، وإما أن أحدّث فتصدّقني فقال مسروق: لا بل حدث فأصدّقك، فقال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكبر آية فرجا في القرآن (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) فقال مسروق: صدقت.
وقال آخرون: بل عني بذلك أهل الإسلام، وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء، قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم، فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال يعني عمر: كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة، وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئا، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته، فلما قدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المدينة أنزل الله فيهم: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه)... الآية، قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام: فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا أفهمها، فوقع في نفسي أنها أنزلت فينا لما كنا
نقول، فجلست على بعيري، ثم لحقت بالمدينة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنما أنزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذّبوا، فافتنوا، كنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذّبوه، فنزلت هؤلاء الآيات، وكان عمر بن الخطاب كاتبا، قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عَيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، إلى أولئك النفر، فأسلموا وهاجروا.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا يونس، عن ابن سيرين، قال: قال عليّ رضي الله عنه: أي آية في القرآن أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا). ونحوها، فقال علي: ما في القرآن آية أوسع من: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ)... إلى آخر الآية.
حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، قال: دخل عبد الله المسجد، فإذا قاصّ يذكر النار والأغلال، قال: فجاء حتى قام على رأسه، فقال ما يذكر أتقنط الناس (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ)... الآية.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه قال في هذه الآية: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) قال: هي للناس أجمعين.
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي قنبل، قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: ثني أبو عبد الرحمن الجلائي، أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول:"ما أُحِبُّ أنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيها
بهذه الآية: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) "... الآية، فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟ فسكت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم قال:"ألا وَمَنْ أشْرَكَ، ألا ومَنْ أشْرَكَ، ثلاث مرات".
وقال آخرون: نزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا أبو معاذ الخراساني، عن مقاتل بن حيا، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت هذه الآية (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش، قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، إن لم يصب منها شيئا رجونا له.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك، لأن الله عم بقوله (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفا دون مسرف.
فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عنى بقوله (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل، أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف ؛ أن ابن جريج أخبرهم : قال يعلى : إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس(١) [ رضي الله عنهما ](٢) ؛ أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا. فأتوا محمدا ﷺ فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل :﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل [ قوله ] (٣) :﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث ابن جريج، عن يعلى بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به(٤).
والمراد من الآية الأولى قوله :﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. [الفرقان: ٧٠].
وقال(٥) الإمام أحمد : حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال : سمعت أبا عبد الرحمن المري(٦) يقول : سمعت(٧) ثوبان - مولى رسول الله ﷺ - يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية :﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال رجل : يا رسول الله، فمن أشرك ؟ فسكت النبي(٨) ﷺ ثم قال :" ألا ومن أشرك " ثلاث مرات. تفرد به الإمام أحمد(٩).
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا سريج (١٠) بن النعمان، حدثنا روح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن(١١) عمرو بن عَبَسة(١٢) قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ، شيخ كبير يدعم على عصا له، فقال : يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي ؟ فقال :" ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟ " قال : بلى، وأشهد أنك رسول الله. فقال :" قد غفر لك غدراتك وفجراتك ". تفرد به أحمد(١٣).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب(١٤)، عن أسماء بنت يزيد(١٥) قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقرأ :﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وسمعته يقول :" ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
ورواه أبو داود والترمذي، من حديث ثابت، به (١٦).
فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد : أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن(١٧) عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت ؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى :﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال تعالى :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال تعالى في حق المنافقين :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء: ١٤٦، ١٤٥]، وقال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، ثم قال ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠].
قال الحسن البصري : انظر(١٨) إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة !.
والآيات في هذا كثيرة جدا.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ، حديث الذي(١٩) قتل تسعا(٢٠) وتسعين نفسا، ثم ندم وسأل عابدا من عُبَّاد بني إسرائيل : هل له من توبة ؟ فقال : لا. فقتله وأكمل(٢١) به مائة. ثم سأل عالما من علمائهم : هل له من توبة ؟ فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها. فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة أن تتباعد(٢٢) (٢٣) هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما(٢٤) [ في ](٢٥) قوله :﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى آخر الآية، قال : قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيرا(٢٦) ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء :﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء، من قال :﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. قال ابن عباس [ رضي الله عنهما ](٢٧) من آيس عباد الله(٢٨) من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.
وروى الطبراني من طريق الشعبي، عن شُتَير بن شَكَل أنه قال : سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله :﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف :﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وإن أشد آية في كتاب الله تصريفا(٢٩) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣، ٢]. فقال له مسروق : صدقت.
وقال الأعمش، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود قال : مر عبد الله - يعني ابن مسعود - على قاص، وهو يذكر الناس، فقال : يا مذكر لم تُقَنِّط(٣٠) الناس ؟ ثم قرأ :﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ رواه ابن أبي حاتم.
ذكر أحاديث فيها نفي القنوط :
قال(٣١) الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله (٣٢)، حدثني أخشن السدوسي قال : دخلت على أنس بن مالك(٣٣) فقال(٣٤) سمعت رسول الله ﷺ يقول :" والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تخطئوا(٣٥) لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم " تفرد به [ الإمام ](٣٦) أحمد(٣٧). وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى(٣٨) حدثني ليث حدثني محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز - عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري، رضي الله عنه، أنه قال حين حضرته الوفاة : قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ يقول :" لولا أنكم تذنبون، لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم ".
هكذا(٣٩) رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي جميعا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد به (٤٠). ورواه مسلم من وجه آخر به، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة - وهو الأنصاري صحابي - عن أبي أيوب به(٤١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال : سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس(٤٢) قال : قال رسول الله ﷺ :" كفارة الذنب(٤٣) الندامة "، وقال رسول الله ﷺ :" لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، فيغفر لهم " تفرد به أحمد(٤٤).
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثني عبد الأعلى بن حماد النَّرسِي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عبد الله مسلمة الرازي، عن أبي عمرو البجلي، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه، علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله يحب العبد المفتن التواب ". لم يخرجوه من هذا الوجه(٤٥).
وقال(٤٦) ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : إن إبليس - عليه لعائن الله - قال : يا رب، إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال : فأنت مسلط. قال : يا رب، زدني. قال : لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. قال : يا رب، زدني. قال : أجعل صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم. قال : يا رب، زدني. قال : أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. فقال آدم [ عليه السلام ](٤٧) يا رب، قد سلطته علي، وإني لا أمتنع [ منه ] (٤٨) إلا بك. قال : لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال : يا رب، زدني. قال : الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال : يا رب، زدني. قال : باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال : يا رب، زدني. قال :﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال محمد بن إسحاق : قال نافع : عن عبد الله بن عمير، عن عمر، رضي الله عنه، في حديثه قال : وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال : فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم :{ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُم
١ - في ت: "روى البخاري بسنده عن ابن عباس"..
٢ - زيادة من أ..
٣ - زيادة من ت، س..
٤ - صحيح البخاري برقم (٤٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٢٢) وسنن أبي داود برقم (٧٢٧٤) وسنن النسائي (٧/٨٦)..
٥ - في ت: "وروى"..
٦ - في أ: "السري"..
٧ - في ت: "سمعت عن"..
٨ - في ت: "رسول الله"..
٩ - المسند (٥/٢٧٥)..
١٠ - في أ: "شريح"..
١١ - في ت: "وعن"..
١٢ - في ت، ا: "عنبسة"..
١٣ - المسند (٤/٣٨٥)..
١٤ - في ت: "وروى أيضا"..
١٥ - في أ: "يزيد رضي الله عنها"..
١٦ - المسند (٦/٤٥٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٣٧)..
١٧ - في ت: "ولا يقنط"..
١٨ - في ت: "انظروا"..
١٩ - في ت: "أن رجلا"..
٢٠ - في أ: "تسعة"..
٢١ - في ت: "فأكمل"..
٢٢ - في أ: "تبتعد"..
٢٣ - رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٧٠) ومسلم برقم (٢٧٦٦)..
٢٤ - في س: "عنه"..
٢٥ - زيادة من أ..
٢٦ - في ت: العزير.".
٢٧ - زيادة من ت..
٢٨ - في أ: "العباد"..
٢٩ - في ت، س: "تفويضا"..
٣٠ - في س: "يقنط"..
٣١ - في ت: "روى"..
٣٢ - في أ: "عبيد الله السدوسي"..
٣٣ - في ت: "عن ابن مالك" وفي أ: "أنس بن مالك رضي الله عنه"..
٣٤ - في ت: "قال"..
٣٥ - في ت: "تخطئون"..
٣٦ - زيادة من أ..
٣٧ - المسند (٣/٢٣٨)..
٣٨ - في أ: "إسحاق بن أبي عيسى"..
٣٩ - في س: "كذا"..
٤٠ - المسند (٥/٤١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٤٨) وسنن الترمذي برقم (٣٥٣٩)..
٤١ - صحيح مسلم برقم (٢٧٤٨)..
٤٢ - في أ: "ابن عباس رضي الله عنهما"..
٤٣ - في أ: "الذنوب"..
٤٤ - المسند (١/٢٨٩)..
٤٥ - زوائد عبد الله على المسند (١/٨٠)..
٤٦ - في ت: "وروى"..
٤٧ - زيادة من ت، س، أ..
٤٨ - زيادة من ت، س، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥٣ - ٥٩ } ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال :﴿قُلْ﴾ يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرا للعباد عن ربهم :﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب.
﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي : لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي : وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، . تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، . ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، . فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥٣ - ٥٩} ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.
يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: ﴿قُلْ﴾ يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله، مخبرا للعباد عن ربهم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب.
﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته،. ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم.
ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ بقلوبكم ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا.
وفي قوله ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ مجيئا لا يدفع ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ فكأنه قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟
فأجاب تعالى بقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مما أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة الله، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك.
ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، -[٧٢٨]- والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر الله به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وكل هذا حثٌّ على المبادرة وانتهاز الفرصة.
ثم حذرهم ﴿أَن﴾ يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة. و ﴿تَقُولَ نَفْسٌ يَا حسرتي عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: في جانب حقه. ﴿وَإِنْ كُنْت﴾ في الدنيا ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ في إتيان الجزاء، حتى رأيته عيانا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٦ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَسْرَفُوا
تَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي المَعَاصِي.
لَا تَقْنَطُوا
لَا تَيْئَسُوا.

إعراب الآية ٥٣ من سورة الزمر

من كتاب: إعراب القرآن

الذي أعطيته فقد علمت أنّي سأعطى هذا بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ قال الفراء: أنّث لتأنيث الفتنة ولو كان بل هو فتنة لجاز. قال أبو جعفر: التقدير: بل أعطيته فتنة. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّ إعطاءهم المال اختبار، وقيل: عملهم عمل من لا يعلم.

[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]

قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ على تأنيث الكلمة.

[سورة الزمر (٣٩) : آية ٥٣]

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وإن شئت حذفت الياء لأن النداء موضع حذف. ومن أجلّ ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال:
لما اجتمعنا على الهجرة اتّعدت أنا وهشام بن العاصي بن وائل السّهمي وعيّاش بن عتبة فقلنا الموعد أضاة غفر، وقلنا من تأخر منّا فقد حبس فأصبحت أنا وعيّاش بن عتبة بها، ولم يواف هشام وإذا به قد فتن ففتن. وكنا نقول بالمدينة هؤلاء قوم قد عرفوا الله جلّ وعزّ وآمنوا به وبرسوله صلّى الله عليه وسلّم ثم افتتنوا ببلاء لحقهم لا نرى لهم توبة وكانوا هم أيضا يقولون هذا فأنزل الله جلّ وعزّ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى أخر القصة. وروى عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فقالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو بعثوا إليه إنّ ما تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لنا توبة فأنزل الله جلّ وعزّ: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ إلى أخر الآيات، قال عبد الله بن عمر: هذه أرجى آية في القرآن فردّ عليه ابن عباس فقال:
بل أرجى آية في القرآن وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]. وروى حمّاد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وفي مصحف ابن مسعود «١» إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا لمن يشاء وهاتان القراءتان على التفسير أي يغفر لمن يشاء، وقد عرّف الله جلّ وعزّ من يشاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم يكن له كبيرة ودلّ على أنه يريد التائب ما بعده.

[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]

وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا. يدل على ذلك وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: ٨٢]. فهذا الإشكال فيه وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ قال الضحاك:
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٢١.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٥٣ من سورة الزمر

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ...﴾ الآية. [٥٣].
قال ابن عباس: نزلت في أهل مكة، قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان، وقتل النفس التي حرم الله - لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في عياش بن [أبي] ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ثم فُتِنُوا وعُذِّبُوا فافتتنوا؛ فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صَرْفاً ولا عَدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذِّبوا به. فنزلت هذه الآيات. وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عَيّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وأولئك النفر، فأسلموا وهاجروا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن الكازري، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا القاسم بن سلام، قال: حدَّثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني يَعْلَى بن مسلم: أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس:
أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قَتُلوا فأكثروا، وزَنَوْا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي [تقول و] تدعو إليه لحسن [لو] تخبرنا [أن] لما عملناه كفارة. فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ...﴾ الآية. رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن جُرَيج.
أخبرنا أبو إسحاق المقرىء، قال: أخبرنا [أبو عبد الله] الحسين بن محمد [الدينوري، قال: حدَّثنا أبو بكر بن خُرْجَةَ، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدَّثنا محمد] بن العلاء، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا نافع عن [ابن] عمر [عن عمر] أنه قال:
لما اجتمعنا إلى الهجرة اتعَدْت أنا وعَيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، فقلنا: الميعاد بيننا المنَاصِف -ميقات بني غِفَار- فمن حبس منكم لم يأتها فقد حبس فليمض صاحبه. فأصبحت عندها أنا وعياش وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، فقدمنا المدينة فكنا نقول: ما الله بقابل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا الله ورسوله ثم رجعوا عن ذلك لِبَلاَءِ أصَابهُمْ من الدنيا. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾؟ قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثت بها [إلى هشام] قال هشام: فلما قدمت عَليَّ خرجت بها إلى ذي طُوَى، فقلت: اللهم فهمنيها، فعرفت أنها أنزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويروى: أن هذه الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة رحمة الله عليه ورضوانه، وذكرنا ذلك في آخر سورة الفرقان.

القراءات في الآية ٥٣ من سورة الزمر

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِنَّهُ هُوَ

ادغام الهاء في الهاء ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

اظهار الهاء الأولى مضمومة

ابن وردان عن أبي جعفر حفص عن عاصم شعبة عن عاصم خلف عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر خلاد عن حمزة هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير روح عن يعقوب إسحاق عن خلف ورش عن نافع إدريس عن خلف قالون عن نافع

تَقْنَطُواْ

(تَقْنَطُوا) بفتح النون

ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ورش عن نافع ابن ذكوان عن ابن عامر

(تَقْنِطُوا) بكسر النون

إسحاق عن خلف روح عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو أبو الحارث عن الكسائي رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف الدوري عن أبي عمرو

يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ

(يَا عِبَادِى) إسكان الياء ثم حذفها لالتقاء الساكنين

إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة السوسي عن أبي عمرو خلف عن حمزة

(يَا عِبَادِىَ) بفتح الياء

ابن وردان عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر ورش عن نافع هشام عن ابن عامر حفص عن عاصم قالون عن نافع ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

١٧ قولًا
١
عن غالب، قلت للحسن البصري: ما القنوط؟ قال: ترْك فرائض الله في السر١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٢٦٥.
٢
عن زيد بن أسلم: أنّ رجلًا كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة، ويُشَدِّد على نفسه، ويُقَنِّط الناس مِن رحمة الله، ثم مات، فقال: أي ربّ، ما لي عندك؟ قال: النار. قال: فأين عبادتي واجتهادي؟ فقيل له: كنت تُقَنِّط الناس مِن رحمتي، وأنا أقنِّطك اليوم من رحمتي١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٦١). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن ابن عمر: أنّ عمر بن الخطاب خرج ذات يوم إلى الناس، فقال: أيُّكم يخبرني بأعظم آية في القرآن، وأعدلها، وأخوفها، وأرجاها؟ فسكت القوم، فقال ابن مسعود: على الخبير سقطتَ؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أعظم آية في القرآن: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة:٢٥٥]. وأعدل آية في القرآن: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها [النحل:٩٠]. وأخوف آية في القرآن: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة:٧-٨]. وأرجى آية في القرآن: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه المستغفري في فضائل القرآن ٢‏/‏٧٦١ (١١٥٢)، والجوزقاني في الأباطيل ٢‏/‏٣٦٣-٣٦٤ (٧١٢)، وأخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٦٧٦-، والواحدي في التفسير الوسيط ١‏/‏٣٦٥-٣٦٦ (١١٨) مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى الشيرازي في الألقاب، والهروي في فضائله. قال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏١١٢٤ (٧٠٢٥): «ضعيف»، وصحّح وقفه على ابن مسعود من قوله.
٤
عن أنس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله؛ لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تُخطئوا لجاء الله بقوم يُخطئون، ثم يستغفرون الله، فيغفر لهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢١‏/‏١٤٦ (١٣٤٩٣). قال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢١٥ (١٧٦٢٤): «رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله ثقات». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٧‏/‏٤٢٤ (٧٢٤٠): «فيه عبد المؤمن بن عبيد الله السدوسي، ولم أر من ذكره بعدالة ولا جرح، باقي رواته ثقات». وقال الألباني في الصحيحة ٤‏/‏٥٩٤ (١٩٥١): «الحديث حسن لغيره».
٥
عن أبي أيوب الأنصاري: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لولا أنّكم تُذنِبون لخلق الله خلْقًا يُذنِبون فيغفر لهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢١٠٥ (٢٧٤٨).
٦
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، قال: «كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا، فسأله، فقال: هل لي مِن توبة؟ فقال: لا. فقتله، فكمّل به المائة. فقال له رجل: ائْتِ قريةَ كذا وكذا، فأدركَه الموتُ، فنأى بصدره نحوها. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه: أن تقرّبي. وأوحى إلى هذه: أن تباعدي. وقال: قيسوا ما بينهما. فوُجد إلى هذه أقرب بشبر، فغُفر له»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏١٧٤ (٣٤٧٠) واللفظ له، ومسلم ٤‏/‏٢١١٨-٢١١٩ (٢٧٦٦).
٧
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «قال رجل -لم يعمل خيرًا قط- لأهله: إذا مات فحرّقوه، ثم اذْرُوا نصفه في البر ونصفه في البحر، فواللهِ لئن قدر الله عليه ليعذّبنه عذابًا لا يعذّبه أحدًا من العالمين. قال: فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: مِن خشيتك، يا رب، وأنت أعلم. فغفر له»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏١٧٦ (٣٤٨١)، ومسلم ٤‏/‏٢١٠٩ (٢٧٥٦) واللفظ له.
٨
عن عامر الشعبي، قال: تجالسَ شُتَيْر بن شَكَل ومسروق، فقال شُتَيْر: إمّا أن تُحَدِّث ما سمعتَ مِن ابن مسعود فأصدّقك، وإمّا أن أحدِّث فتصدّقني. فقال مسروق: لا، بل حدِّث فأصدّقك. فقال: سمعتُ ابن مسعود يقول: إن أكبر آية فرحًا في القرآن: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾. فقال مسروق: صدقتَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٦.
٩
عن محمد بن سيرين، قال: قال عليٌّ: أيُّ آية أوسع؟ فجعلوا يذكرون آياتٍ مِن القرآن: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء:١١٠]، ونحوها، فقال علي: ما في القرآن آية أوسع من: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٨.
١٠
عن عبيد بن عمير، قال: إنّ إبليس قال: يا ربِّ، إنّك أخرجتني مِن الجنة مِن أجل آدم، وإنِّي لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال: فأنت مُسلَّط عليه. قال: يا ربّ، زِدني. قال: لا يُولد له ولد إلا وُلد لك مثله. قال: يا ربّ، زِدني. قال: صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجارى الدم. قال: يا ربّ، زِدني. قال: ﴿وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ وعِدْهُمْ﴾ [الإسراء:٦٤]. فقال آدم: يا ربّ، قد سلّطتَه عَلَيَّ، وإنِّي لا أمتنع منه إلا بك. قال: لا يُولد لك ولد إلا وكّلتُ به مَن يحفظه مِن قرناء السوء. قال: يا ربّ، زِدني. قال: الحسنة عشرًا أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يا ربّ، زِدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يا ربّ، زِدني. قال: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏١٠٠- عن عبد الله بن عبيد بن عمير. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١١
عن أبي الجَوْزاء -من طريق عمرو بن مالك- قال: ما علمتُ أحدًا مِن أهل العلم ولا مِن أصحاب محمّد ﷺ يقول لذنب: إنّ الله لا يغفر هذا١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٨‏/‏٢٤٣.
١٢
عن أبي هريرة، قال: خرج النبيُّ ﷺ على رَهْطٍ مِن أصحابه يضحكون ويتحدثون، فقال: «والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا». ثم انصرف، وبكى القومُ، فأوحى الله إليه: يا محمد، لِمَ تُقنِّط عبادي؟ فرجع النبيُّ ﷺ، وقال: «أبْشِروا، وسدِّدوا، وقارِبوا»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن حبان ١‏/‏٣١٩ (١١٣)، ٢‏/‏٧٣-٧٤ (٣٥٨)، وبنحوه مختصرًا الحاكم ٤‏/‏٦٢٢. قال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٥٨٩ (٣١٩٤): «لا ينزل عن مرتبة الحسن؛ لما له من الشواهد المبثوثة في مختلف الأحاديث. وللشطر الأول من حديث الترجمة شواهد كثيرة، أصحّها حديث أنس بن مالك مرفوعًا به. أخرجه البخاري (٦٤٨٦)، ومسلم (٩٠١)».
١٣
عن علي بن أبي طالب -من طريق يحيى- قال: إنّ الفقيه كلَّ الفقيه مَن لم يُقنِّط الناس مِن رحمة الله، ولم يُرَخِّص لهم في معاصي الله، ولم يُؤمِّنهم عذابَ الله، ولم يدع القرآنَ رغبة عنه إلى غيره، إنّه لا خير في عبادة لا عِلْمَ فيها، ولا عِلْمٍ لا فهْمَ فيه، ولا قِراءةٍ لا تدبُّرَ فيها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضريس (٦٩). وعزاه السيوطي إلى أبي القاسم بن بِشران في أماليه.
١٤
عن عبيد بن عمير، عن عائشة، أنها قالت له: ألم أُحدَّث أنّك تجلس ويُجلَس إليك؟ قال: بلى. قالت: فإيّاك وإهلاكَ الناس وتقنيطَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٦٠). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٥
عن ضَمْضَمِ بن جَوْسٍ، قال: دخلتُ مسجدَ المدينة، فناداني شيخ، فقال: يا يماني، تعال. وما أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: واللهِ، لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يُدخلك الله الجنة. قلتُ: ومَن أنت، يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة. قال: فقلت: إنّ هذه الكلمة يقولُها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب، أو لزوجته، أو لخادمه. قال: فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ رجلين كانا في بني إسرائيل متحابّين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر يقول كأنه مذنب، فجعل يقول: أقْصِر أقْصِر عما أنت فيه. قال: فيقول: خلِّني وربي. قال: حتى وجده يومًا على ذنب استعظمه، فقال: أقْصِر. فقال: خلِّني وربي؛ أبُعِثْتَ عَلَيَّ رقيبًا؟ فقال: واللهِ، لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يُدخلك الجنة أبدًا. قال: فبعث اللهُ إليهما مَلكًا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا، يا رب. فقال: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلّم بكلمة أوْبَقَتْ دنياه وآخرته١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٤‏/‏٤٦-٤٧ (٨٢٩٢)، وأبو داود ٤‏/‏٢٧٥ (٤٩٠١)، وابن حبان ١٣‏/‏٢٠-٢١ (٥٧١٢)، وابن المبارك في الزهد والرقائق ١‏/‏٣١٤ (٩٠٠) واللفظ له. إسناده حسن.
١٦
كان العلاء بن زياد يذكر النار، فقال رجل: لِمَ تُقَنِّط الناس؟ قال: وأنا أقدر أن أقنّط الناس، والله عز وجل يقول: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، ويقول: ﴿وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر:٤٣]؟! ولكنكم تُحِبُّون أن تُبَشَّروا بالجنة على مساوئ أعمالكم، وإنّما بعث اللهُ محمدًا ﷺ مُبَشِّرًا بالجنة لمن أطاعه، ومُنذِرًا بالنار مَن عصاه١
التخريج
  1. ١علقه البخاري، في كتاب التفسير، عقب باب ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله... ﴾ ٤‏/‏١٨١٤.
١٧
عن عطاء بن يسار، قال: إنّ لِلمُقَنِّطين جسرًا؛ يطأُ الناسُ يومَ القيامة على أعناقهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٩١.

قراءات

قولانِ
١
عن منصور عن عامر، قال: جلس مسروق بن الأجدع، وشُتَيْر بن شَكَل، فقال أحدهما للآخر: حدِّث ما سمعتَ من عبد الله [بن مسعود] وأصدّقك، أو أحدّث وتصدّقني. قال: سمعت عبد الله يقول: إنّ أكثر آية أو أكبر آية في القرآن آية في سورة الغُرف: (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِّمَن يَّشَآءُ). قال: صدقتَ. قال منصور: وكذلك هي في مصحف عبد الله، أو كذلك قرأها عبد الله١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٢٦٥. وزيادة (لِّمَن يَّشَآءُ) في الآية قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٣٢.
٢
عن أسماء بنت يزيد: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ: (يا عِبادِي الَّذِينَ أسْرَفُواْ على أنفُسهِمْ لا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٥‏/‏٥٤٩ (٢٧٥٦٩)، ٤٥‏/‏٥٧٤ (٢٧٥٩٦)، ٤٥‏/‏٥٨١ (٢٧٦٠٦)، ٤٥‏/‏٥٨٦ (٢٧٦١٣)، والترمذي ٥‏/‏٤٤٧ (٣٥١٨)، والحاكم ٢‏/‏٢٧٢ (٢٩٨٢)، والثعلبي ٨‏/‏٢٤٣. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا مِن حديث ثابت عن شهر بن حوشب، وشهر بن حوشب يروي عن أم سلمة الأنصارية، وأم سلمة الأنصارية هي أسماء بنت يزيد». وقال الحاكم: «هذا حديث غريب عالٍ، ولم أذكر في كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد». وزيادة (ولا يُبالِي) في الآية قراءة شاذة، تروى أيضًا عن فاطمة رضي الله عنها. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٣٢.

تفسير الآية

قولانِ
١
قال الحسن البصري: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ التي كانت في الشرك، ﴿إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وأنزل: ﴿والَّذِين َلا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أي: بعد إسلامهم، ﴿ولا يَقْتُلُون النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَق﴾ أي: بعد إسلامهم ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ أي: بعد إسلامهم، إلى قوله: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَن َوَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآية [الفرقان:٦٨-٧٠]١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏١١٦-١١٧-.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يعني: الشرك، والقتل، والزنا الذي ذُكر في سورة الفرقان، ﴿إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم﴾ لمن تاب منها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٨٣.

نزول الآية، وتفسيرها

٢٥ قولًا
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ ناسًا أصابوا في الشِّرك عِظامًا، فكانوا يخافون أن لا يُغفَر لهم، فدعاهم الله بهذه الآية: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٧٤ من طريق معمر، وابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٥-٢٢٦. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٢
عن إسماعيل السُّدّي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، قال: هؤلاء المشركون من أهل مكة. قالوا: كيف نُجيبك وأنت تزعُم أنّه مَن زنى، أو قتل، أو أشرك بالرحمن كان هالِكًا مِن أهل النار؟! فكل هذه الأعمال قد عملناها. فأُنزلت فيهم هذه الآية: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٦.
٣
عن محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق سفيان بن عُيينة- قال: قال وحْشيّ: ليست لي توبة، قتلتُ حمزة. فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٢٦٤.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ نزلت في مشركي مكة، وذلك أن الله عز وجل أنزل في الفرقان [٦٨]: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآية، فقال وحْشيّ مولى المُطْعِم بن عَدِيّ بن نوفل: إنِّي قد فعلتُ هذه الخصال، فكيف لي بالتوبة؟ فنزلت فيه: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]. فأسلم وحْشيّ، فقال مشركو مكة: قد قُبِلَ من وحْشيّ توبَتُهُ، وقد نزل فيه ولم ينزل فينا. فنزلت في مشركي مكة: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٨٣.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾ الآية، قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيَّه قالوا: لو أتينا محمدًا ﷺ، فآمنّا به، واتّبعناه. فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسولُه في دينه؟ فقالوا: ألا نبعثُ إلى رسول الله ﷺ رجلًا! فلمّا بعثوا، نزل القرآن: ﴿قل يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٦.
٦
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الكَنُود- أنه مرّ على قاصٍّ يذكر النار، فقال: يا مذكِّر النار، لا تُقنِّط الناس. ثم قرأ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٨٥، وابن أبي الدنيا في حُسن الظن (٥٠)، وابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٨، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٩٩-، والطبراني (٨٦٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: قد دعا اللهُ إلى مغفرته مَن زعم أنّ المسيح هو الله، ومَن زعم أنّ المسيحَ ابنُ الله، ومَن زعم أنّ عُزيرًا ابن الله، ومَن زعم أنّ الله فقير، ومَن زعم أنّ يد الله مغلولة، ومَن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله لهؤلاء: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، ثم دعا إلى توبته مَن هو أعظم قولًا من هؤلاء؛ من قال: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأَعْلى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]. قال ابن عباس: مَن آيس العِباد مِن التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبدُ أن يتوب حتى يتوب الله عليه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وابن المنذر.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجِيح- في قول الله: ﴿الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، قال: قتْل النفس في الجاهلية١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٥٨٠، وأخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٥.
٩
عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق أبي صخر- أنه قال في هذه الآية: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾، قال: هي للناس أجمعين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢‏/‏٧٢ (١٣٨)، وابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٨.
١٠
عن زيد بن أسلم -من طريق أبي صخر- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾، قال: إنما هي للمشركين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢‏/‏٧٢ (١٣٨)، وابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٥.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، يعني بالإسراف: الشِّرْك، والقتل، والزِّنا، فلا ذنبَ أعظم إسرافًا مِن الشِّرك١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٨٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف السلف في نزول الآية على أقوال: الأول: أنها نزلت في قوم من أهل الشرك، قالوا لما دُعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يَعِد فاعلَ ذلك النار؟! الثاني: نزلت في قوم من أهل الإسلام، وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء، قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم، فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة. الثالث: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٢٣٠) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى -تعالى ذكره- بذلك جميعَ مَن أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم َّبقوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ جميع المسرفين، فلم يخصّص به مسرفًا دون مسرف. فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم، إذا تاب منه المشرك، وإنما عنى بقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل أن ابن مسعود كان يقرؤه، وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه؛ إن شاء تفضّل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٤٠٣)، قال: «هذه الآيةُ عامةٌ في جميع الناس إلى يوم القيامة؛ في كل كافر ومؤمن، أي: إنّ توبة الكافر تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه».
١٢
عن ثوبان، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما أُحِبُّ أنّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾» إلى آخر الآية. فقال رجل: يا رسول الله، فمَن أشْركَ؟ فسكت النبي ﷺ، ثم قال: «ألا ومن أشْركَ» ثلاث مرات١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٧‏/‏٤٥ (٢٢٣٦٢)، وابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٨-٢٢٩، والثعلبي ٨‏/‏٢٤٣. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٠٠ (١١٣١٣): «فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن». وقال في موضع آخر ١٠‏/‏٢١٤ (١٧٦٢٣): «رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٣٣٩: «إسناده حسن». وقال الألباني في الضعيفة ٩‏/‏٣٩٨ (٤٤٠٩): «ضعيف».
١٣
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابنه عبد الله- قال: اتَّعَدْتُ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل أن نُهاجِر إلى المدينة، فخرجتُ أنا وعيّاش، وفتُِن هشام فافتُتن، فقدم على عيّاش أخواه أبو جهل والحارث ابنا هشام، فقالا له: إن أمّك قد نذرتْ أن لا يُظلّها ظِلٌّ، ولا يمسّ رأسها غُسل حتى تراك. فقلتُ: واللهِ، إن يريداك إلا أن يفتناك عن دينك. وخرجا به، وفتنوه فافتُتن. قال: فنزلت فيهم: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. قال عمر: فكتبتُها إلى هشام، فقدم١
التخريج
  1. ١أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١‏/‏٣١٩ (٢١٤)، بإسناده من طريق ابن مردويه، ثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار، ثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، ثنا خليفة بن خياط وعمرو بن العباس، قالا: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر به. إسناده حسن.
١٤
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عمر- نحوه مطولًا، وفي آخره: وكنا نقول: واللهِ، لا يقبل اللهُ مِمَّن افتُتِن صَرفًا ولا عدلًا، ولا تُقبل توبةُ قومٍ عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلمّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا لهم وقولهم لأنفسهم: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾. قال عمر: فكتبتُها في صحيفةٍ، وبعثتُ بها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فلم أزل أقرؤها بذي طُوى أصعد بها فيه حتى فهمتُها. قال: فأُلقي في نفسي أنها إنما أُنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعتُ، فجلستُ على بعيري، فلحقتُ برسول الله ﷺ بالمدينة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٤٧٥-٤٧٦-، والبزار في مسنده ١‏/‏٢٥٨-٢٦٠ (١٥٥) مطولًا، وابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٧ مختصرًا. قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي ﷺ إلا عمر، ولا نعلم رُوي عن عمر متصلًا إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٦١ (٩٩١٨): «رواه البزار، ورجاله ثقات».
١٥
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: كُنّا نقول: ما لِمُفتَتنٍ توبةٌ، وما اللهُ بقابلٍ منه شيئًا؛ عرفوا ذلك وآمنوا به وصدّقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم، وكانوا يقولونه لأنفسهم. فلمّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيات. قال ابنُ عمر: فكتبتُها بيدي، ثم بعثتُ بها إلى هشام بن العاص١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٣‏/‏٢٦٨ (٥٠٥٤) بنحوه، والطبراني في الكبير ٢٢‏/‏١٧٧ (٤٦٢) واللفظ له. قال الذهبي متعقّبًا الحاكم: «عبد الرحمن بن بشير منكر الحديث». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٦٢ (٩٩٢٠): «رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقي، ضعّفه أبو حاتم». وقال في ٦‏/‏٢٦٣ (١٠٥٨٤): «وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس».
١٦
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: إنّما نزلت هذه الآيات في عيّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فُتنوا وعُذِّبوا، فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صَرفًا ولا عدلًا أبدًا؛ قومٌ أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذِّبوه؟! فنزلت هؤلاء الآيات، وكان عمر بن الخطاب كاتبًا، فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عيّاش والوليد وإلى أولئك النفر، فأسلموا، وهاجروا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٧-٢٢٨.
١٧
عن عبد الله بن عباس، قال: أُنزلت: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآية، في مشركي أهل مكة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه. قال السيوطي: «بسند صحيح».
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير-: أنّ ناسًا مِن أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنَوا وأكثروا، فأَتَوا محمدًا ﷺ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تُخبرنا أنّ لِما عملنا كفارةً! فنزل: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون﴾ [الفرقان:٦٨]، ونزلت: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، لا تقنطوا من رحمة الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏١٢٥-١٢٦ (٤٨١٠)، ومسلم ١‏/‏١١٣ (١٢٢)، وابن جرير ١٧‏/‏٥٠٦، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٧٢٨ (١٥٣٩٨)، والثعلبي ٧‏/‏١٤٨.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: بعث رسولُ الله ﷺ إلى وحْشيّ بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: يا محمد، كيف تدعوني وأنت تزعم أنّ مَن قتل أو أشرك أو زنى ﴿يَلْقَ أثامًا يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان:٦٨-٦٩] وأنا صنعتُ ذلك فهل تجد لي مِن رخصة؟ فأنزل الله: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]. فقال وحْشيّ: هذا شرط شديد؛ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾، فلعلي لا أقدر على هذا. فأنزل الله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فقال وحْشيّ: هذا أرى بعد مشيئة، فلا أدري يَغفر لي أم لا، فهل غير هذا؟ فأنزل الله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال وحْشيّ: هذا نعم. فأسلم، فقال الناس: يا رسول الله، إنّا أصبنا ما أصاب وحْشيّ. قال: «هي للمسلمين عامة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏١٩٧ (١١٤٨٠)، وابن عساكر في تاريخه ٦٢‏/‏٤١٣، والثعلبي ٨‏/‏٢٤١. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٠١ (١١٣١٤): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبين بن سفيان، ضعّفه الذهبي».
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، يقول: لا تيأسوا من رحمة الله، وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم محمدٌ أنّ مَن عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهًا آخر، وقتل النفس التي حرّم الله، لم يُغفر له، فكيف نهاجر ونُسلم وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس التي حرّم الله، ونحن أهل الشرك؟! فأنزل الله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٤، من طريق محمد بن سعد العوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عطية العوفي، عن ابن عباس به. وأورده الثعلبي ٨‏/‏٢٤١. إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٢١
عن أبي سعيد، قال: لما أسلم وحْشيّ أنزل الله: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨]. قال وحْشيّ وأصحابه: فنحن قد ارتكبنا هذا كله. فأنزل الله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٧٣١ (١٥٤١٨)، من طريق محمد بن أبي حماد، ثنا إبراهيم بن المختار وأبو زهير، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد به. إسناده ضعيف؛ في إسناده إبراهيم بن المختار التميمي أبو إسماعيل الرازي. قال عنه ابن حجر في التقريب (٢٤٥): «صدوق ضعيف الحفظ». وفيه أيضًا حجاج بن أرطأة؛ قال عنه ابن حجر في التقريب (١١١٩): «صدوق كثير الخطأ والتدليس». وفيه أيضًا عطية بن سعد العوفي؛ قال عنه ابن حجر في التقريب (٤٦١٦): «صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلِّسًا».
٢٢
عن وحْشيّ، قال: لَمّا كان في أمر حمزة ما كان ألقى اللهُ خوفَ محمدٍ ﷺ في قلبي، فخرجتُ هاربًا، أكمُن النهار وأسير الليل، حتى صرت إلى أقاويل١ حِمْيَر، فنزلتُ فيهم، فأقمتُ حتى أتاني رسولُ رسولِ الله ﷺ يدعوني إلى الإسلام، قلت: وما الإسلام؟ قال: تؤمن بالله ورسوله، وتترك الشرك بالله، وقتْل النفس التي حرّم الله، وشرْب الخمر، والزنا، والفواحش كلها، وتستحمّ من الجنابة، وتصلي الخمس. وقال: إن الله قد أنزل هذه الآية: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فصافحني، وكنّاني بأبي حرب٢
التخريج
  1. ١الأقيال والأقوال: جمع قَيل، وهو الملك النافذ القول والأمر. النهاية (قيل)، والتاج (قول).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة.
٢٣
عن عطاء بن يسار -من طريق بعض أصحابه- قال: نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحْشيّ وأصحابه: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٥.
٢٤
عن أبي مِجْلَز لاحق بن حُميد السَّدُوسِيّ، قال: لَمّا نزلت على نبي الله ﷺ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى آخر الآية؛ قام نبيُّ الله ﷺ، فخطب الناس، وتلاها عليهم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، والشرك بالله؟ فسكت، فأعاد ذلك ما شاء الله؛ فأنزل الله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء:٤٨]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد مرسلًا.
٢٥
قال الحسن البصري، قال: لَمّا نزل في قاتل المؤمن والزاني وغير ذلك ما نزل؛ خاف قومٌ أن يُؤاخذوا بما عملوا في الجاهلية، فقالوا: أيُّنا لم يفعل؟! فأنزل الله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بالشرك ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏١١٦-١١٧-.

تفسير

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، يقول: لا تيأسوا من رحمة الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٢٤.
٢
قال مقاتل بن سليمان: يقول: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾ لأنهم ظنُّوا ألا توبة لهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٨٣.
التفسير بالمأثور لسورة الزمر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥٣ من سورة الزمر

٧٥ وقفةً في هذه الآية

  • "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا" هؤلاء من أسرفوا قبل أن يتوبوا يقال لهم لا تقنطوا فكيف بمن تابوا. (

    — عبدالله بلقاسم

  • يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) من رحمته ينادي المدبر عنه ، وينهاه عن اليأس من رحمته!

    — وليد العاصمي

  • (يا عبادي الذين أسرفوا!) أسرفوا في الذنب، ولا زال يناديهم ب (يا عبادي!)

    — وليد العاصمي

  • ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا) سبحان من يرحم من عليهم نقسو"

    — عقيل الشمري

  • (إن الله يغفر الذنوب جميعا) الله يغفر وﻻ (يبالي)

    — عقيل الشمري

  • لا تحدثني عن تفاصيل الخطيئة. أي شيء ستقوله، أي جرم فاجع أو فادح كل شيء داخل تحت العموم تب إلى الله فقط إن الله يغفر الذنوب جميعا"

    — عبدالله بلقاسم

  • (يغفر الذنوب جميعاً) (جميعاً) : تحتمل : كلما أذنب يتوب فيتوب الله عليه. وتحتمل : أنه أخر التوبة فتراكمت ذنوبه فغفرها الله دفعة واحدة

    — عقيل الشمري

  • (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﻻ تقنطوا من رحمة الله) سبحانه : يعلم إسرافنا ويفتح بابه لنا

    — عقيل الشمري

  • (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) (أسرفوا) حتى الذنوب فيها إسراف ، فمن اقتصد سهلت عليه الإنابة

    — عقيل الشمري

  • (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) من نادهم وهم (مذنبون مسرفون) لن يعرض عنهم وهم (تائبون)

    — عقيل الشمري

  • ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) سبحان من يعلم إسرافنا ، ويفتح بابه ليغفر لنا !!

    — عايض المطيري

  • (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) تاريخك المظلم [بالمعاصي] يمحوه حاضرك المشرق [بالطاعات]

    — أحمد الخضير

و٦٣ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٥٣ من سورة الزمر

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾

قولُه تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾:
قيل إنه منسوخٌ [بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً﴾ [النساء: ٩٣] - الآية -.
وقيل هو منسوخٌ] بقولِه: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
قال أبو محمد: وهذا خبرٌ لا يَحْسُنُ نسخُه ولا يجوز، والله يغفر للمؤمنين ذنوبَهم جميعاً إذا شاء.
وقيل: يغفر الذُّنوبَ جميعاً لِمَنْ تاب.
وفي قراءةِ ابنِ عباس: ﴿يغفرُ الذُّنوبَ جميعاً لمن شاءَ﴾. وعن النبي - عليه السلام - "يغفِرُ الذنوبَ جميعاً ولا يبالي".
وقد قال ابن عمر لمَّا نزلت: ﴿إن الله يغفر الذُّنوب جميعاً﴾: قام رجل إلى النبيِّ فقال: والشركَ يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨] - الآية - فدلّ ذلك على أن الآية مخصوصةٌ فيما دونَ الشِّرْكِ من الذنوب يغفرُ الله لمن شاء مِن خَلْقه.
قال أبو محمد: والصواب أنها محكمةٌ عامَّةٌ خطابٌ للمؤمنين(فالمغفرةُ، لا تكون) إلا مع الإِيمان بالله (وكتبه ورسله).
وقيل: هي خاصة في قوم بأعيانِهم نزلت، وهي عامَّةٌ لِمَنْ هو مثلهم وقد بينّا ذلك في كتاب الهداية.

فتاوى متعلقة بالآية ٥٣ من سورة الزمر

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٥٣ من سورة الزمر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(53) Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.[1354] Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
[1354]- For those who repent and correct themselves.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال