الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
وقوله : وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } يدل(١) على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإٍسلام، وأن الإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر.
وروى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢) أن النبي ﷺ قال : " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ". فقال رجل : يا رسول الله، ومن أشرك ؟ ! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال : " ألا ومن أشرك ( ألا ومن أشرك )(٣) – ثلاث مرات " (٤).
وروي عن ابن عمر أنه قال : كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم(٥) نقول : إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية :﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾(٦) فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا(٧) : الكبائر والفواحش. قال : فكنا إذا رأينا من أصاب(٨) شيئا منها، قلنا : قد هلك، حتى نزلت هذه الآية ٍ ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ و﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٩).
فلما نزلت هذه الآية كففناعن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا(١٠) أحد أصاب منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له(١١).
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن / تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عم المسرفين ولم يخصص به أحد، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه(١٢).
وكان ابن عباس يقرأ(١٣) :( يغفر الذنوب جميعا لمن شاء ).
وقد قيل : إن قوله :﴿يغفر الذنوب جميعا(١٤) منسوخ بقوله : ٍ﴿ومن يقتل مومنا متعمدا﴾(١٥)، وقيل : بقوله :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾(١٦).
والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه(١٧).
ومعنى ( لا تقنطوا ) : لا تنسوا.
﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، أي : يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها.
﴿إنه هو الغفور﴾ أي : الساتر لذنوب التائبين.
﴿الرحيم﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
ثم قال تعالى :﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ أي : ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه.
﴿من قبل أن ياتيكم العذاب﴾ على كفركم.
﴿ثم لا تنصرون﴾ أي : لا ينصركم ناصر فينقذكم(١٨) من عذاب الله عز وجل.
والإنابة هنا : الإيمان والتوبة من الكفر.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال : " إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له والشرح ". فقيل له : يا رسول الله(١٩)، فهل لذلك من آية يعرف بها ؟ فقال(٢٠) : " الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت " (٢١).
١ (ع) تدل..
٢ هو ثوبان بن يجدد، أبو عبد الله، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل السراة – بين مكة والمدينة – اشتراه النبي ﷺ ثم أعتقه، فلم يزل يخدمه إلى أن مات فخرج ثوبان إلى الشام وتوفي بحمص سنة ٥٤ هـ.
انظر: حلية الأولياء ١/١٨٠ ت ٣١، والاستيعاب ١/٢١٨ ت ٢٨٢، والتقريب ١/١٢٠ ت ٥٠..

٣ ساقط من (ح) ومن كتب الحديث أسفله..
٤ أخرجه أحمد في مسنده ٥/٢٧٥ وابن جرير في جامع البيان ٢٤/١٢. إلا أن لفظ أحمد فيه: (... إلا من أشرك)، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٠٠ وأضاف تخريجه إلى الطبراني في الأوسط. ثم قال: (وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن).
وقال ابن حجر في الكافي: (وفيه ابن لهيعة عن أبي قبيل، وهما ضعيفان (سورة الزمر الحديث ٣٢٧.
ورمز السيوطي لهذا الحديث في الجامع الصغير بأنه حسن ٢/١٤١، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ٥/٥٨ ح ٤٩٨٢، وفي سلسلة الأحاديث الضعيفة ح ٤٤٠٩.
وقال ابن حجر تعقيبا على هذا الحديث وما في معناه: (والمشهور عند أهل السنة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة وبدونها لمن شاء الله، لكن حق الآدمي لا بد رده لصاحبه أو محاللته).
انظر: ذلك في فيض القدير ٥/٤١١..

٥ ساقط من (ع)..
٦ محمد آية ٣٤..
٧ (ح): فقال لنا..
٨ ح: أصحاب..
٩ النساء: ٤٧ و١١٥..
١٠ (ح): رأينا. وهو تصحيف..
١١ انظر: جامع البيان ٢٤/١٢..
١٢ انظر: جامع البيان ٢٤/١٢..
١٣ (ح): يقول..
١٤ ساقط من ح..
١٥ النساء آية ٩٢..
١٦ النساء ٤٧ و١١٥..
١٧ تكرر الحديث عن نسخ قوله تعالى: ﴿يغفر الذنوب جميعا﴾.
انظر: الصفحة ٦٣٥٧..

١٨ كذا في (ع) و (ح) مهملة ولعل الصواب: (فينقذكم)..
١٩ (ح): يا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
٢٠ فقال نعم..
٢١ من تخريجه في الصفحة ٦٣٢٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى