السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال العظمة وهو شرح مقدمات يوم القيامة فقال :﴿ونفخ في الصور﴾ أي : القرن النفخة الأولى لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ﴿فصعق﴾ أي : مات ﴿من في السماوات ومن في الأرض﴾ واختلف فيمن استثنى الله تعالى بقوله سبحانه :﴿إلا من شاء الله﴾ فقال الحسن : هو الله وحده وقال ابن عباس : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام، ثم يميت الله تعالى ميكائيل وإسرافيل وجبريل وملك الموت، وقيل : حملة العرش، وقيل : الحور والولدان، وقيل : الشهداء لقوله تعالى :﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ( آل عمران : ١٦٩ ) وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش ». وقال جابر : هو موسى عليه السلام لأنه صعق فلا يصعق ثانياً وقال قتادة : الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم وهذا أسلم، ﴿ثم نفخ فيه﴾ أي : في الصور نفخة ﴿أخرى﴾ أي : نفخة ثانية ﴿فإذا هم﴾ أي : جميع الخلائق الموتى ﴿قيام﴾ أي : قائمون ﴿ينظرون﴾ أي : يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب جسيم، وقيل : ينتظرون أمر الله تعالى فيهم وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى لأن لفظة ثم للتراخي، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما بين النفختين أربعون قالوا : أربعون يوماً، قال أبو هريرة : أبيت، قالوا : أربعون شهراً، قال : أبيت، قالوا : أربعون سنة، قال : أبيت، قال : ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة » وقوله تعالى :﴿فإذا هم﴾ يدل على أن قيامهم يحصل عقب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء تدل على التعقيب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى