الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى ذكره :﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾، أي : أضاءت.
يقال : أشرقت الشمس إذا أضاءت وَصَفَت، وشَرَقَت إذا طلعت.
وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه.
وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر.
والمعنى : أضاءت الأرض بنور ( خلقه الله )(١).
فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله :﴿هذا خلق الله﴾ تبارك وتعالى.
وقيل : معناه : أشرقت بعد الله عز وجل وحُكمه الحق تبارك وتعالى لأن له نورا كنور الشمس وضياء القمر، هو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا كقوله عز وجل :﴿الله نور السموات والأرض﴾(٢) أي : بِهُدَاه يهتدي أهل السماوات والأرض. لم يُرِدِ النور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل والنهار.
وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال : " ينظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته " (٣).
وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه :
- لا تُضامون – مُخَفَّقا -، أي : لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر إلى الملوك.
- والوجه الثاني : لا تضامُّون – مشددا -، أي : لا ينضم بعضكم لبعض(٤) ليسأله أن يريه إياه.
- والوجه الثالث :( لا تُضارُون )(٥) – مخففا -، أي : لا يلحقكم ضير في رؤيته، من ضارَه يضيره.
- والوجه الرابع :( لا تُضارُّون )(٦) – مشددا -، أي : لا يخالف بعضكم بعضا(٧) في صحة رؤيته. يقال : ضاررته مضارة، أي : خالفته(٨).
ثم قال تعالى ذكره :﴿ووضع الكتاب﴾ يعني : كتاب أعمال العباد وحسابهم.
وقيل : هو اللوح المحفوظ(٩).
﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾ أي : جيء بالنبيين ليسألهم(١٠) ربهم عما أجابت به ](١١) أممهم وردت عليهم في الدنيا.
والشهداء، يعني : الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ أي : عدلا ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾(١٢).
وقيل : عنى بالشهداء هنا : الذي قتلوا في سبيل الله(١٣). والأول ( أولى وأبين )(١٤).
وقال السدي : الشهداء : الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل(١٥).
وقال ابن زيد : هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم(١٦).
وقوله :﴿وقضي بينهم بالحق﴾، أي : قضى / بين النبيئين وأممهم بالحق، فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله.
١ (ح): خلق الله عز وجل..
٢ النور آية ٣٥..
٣ أخرج البخاري في المواقيت باب ١٦/٥٥٤ وباب ٢٦ ح ٥٧٣، وفي كتاب التفسير (سورة النساء) الباب ٨ ح ٤٥٨١ و(سورة ق) باب ٢ ح ٤٨٥١، وفي كتاب التوحيد ٩٧ باب ٢٤ ح ٧٤٣٤ و ٧٤٣٦ و ٧٤٣٧، وفي كتاب الأذان ١٠ باب ١٢٩ ح ٨٠٦، ومسلم في كتاب المساجد ٥ باب ٣٧ ح ٢١١ و ٢١٢ وفي كتاب الإيمان معرفة طريق الرؤية ح ٢٩٧..
٤ (ح) (إلى بعض)..
٥ (ح): (أي لا يضامون)..
٦ (ح): (لا تضامون)..
٧ ساقط من (ح)..
٨ نسب النحاس في إعرابه ٤/١٥٢ هذه الأوجه الأربع إلى أبي إسحاق انظر: الفائق ٢/٣٣٥..
٩ انظر: المحرر الوجيز ١٤/١٠٥، وجامع القرطبي ١٥/٢٨٢. وقد نسب القرطبي هذا القول إلى ابن عباس..
١٠ (ع): فيسئلهم..
١١ في طرة (ح)..
١٢ البقرة آية ١٤٢..
١٣ انظر: جامع البيان ٢٤/٢٢..
١٤ (ح): أبين وأحسن..
١٥ انظر: جامع البيان ٢٤/٢٢، والمحرر الوجيز ١٤/١٠٥، وجامع القرطبي ١٥/٢٨٣..
١٦ انظر: جامع القرطبي ١٥/٢٨٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى