فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده، وبيّن لهم من بديع صنعه، وعجيب فعله ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به عقبه بقوله :﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ﴾ أي غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له فإنه الغنيّ المطلق، ﴿و﴾ مع كون كفر الكافر لا يضرّه كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضاً ﴿لاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾ أي لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه ولا يأمر به، ومثل هذه الآية قوله :﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله ﷺ :«يا عبادي لو أن أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ».
وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها، وإن الكفر غير مرضيّ لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة ؟ والمعنى : لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه كما سيأتي بيانه آخر البحث، وتابعه على ذلك عكرمة والسدّي وغيرهما. ثم اختلفوا في الآية اختلافاً آخر. فقال قوم : إنه يريد كفر الكافر، ولا يرضاه، وقال آخرون : إنه لا يريده ولا يرضاه، والكلام في تحقيق مثل هذا يطول جداً. وقد استدلّ القائلون بتخصيص هذه الآية، والمثبتون للإرادة مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه :﴿يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء﴾ [النحل: ٩٣] ﴿وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠]، ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز. ثم لما ذكر سبحانه : أنه لا يرضى لعباده الكفر بيّن أنه يرضى لهم الشكر، فقال :﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي : يرض لكم الشكر المدلول عليه بقوله، وإن تشكروا ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر ؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وشيبة، وهبير عن عاصم بإسكان الهاء من يرضه، وأشبع الضمة على الهاء ابن ذكوان، وابن كثير، والكسائي، وابن محيصن، وورش عن نافع، واختلف الباقون. ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي : لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى ﴿ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من خير وشر، وفيه تهديد شديد ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي : بما تضمره القلوب وتستره، فكيف بما تظهره وتبديه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله :﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ﴾ يعني : الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إله إلا الله، ثم قال :﴿وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾، وهم : عباده المخلصون الذين قال :﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥]، فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وحببها إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾ قال : لا يرضى لعباده المسلمين الكفر. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال : والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر عن ابن عمر : أنه تلا هذه الآية :﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخرة﴾ قال : ذاك عثمان بن عفان، وفي لفظ : نزلت في عثمان بن عفان. وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله :﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ الآية قال : نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ يقول : يحذر عذاب الآخرة. وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس قال : دخل رسول الله ﷺ على رجل، وهو في الموت، فقال : كيف تجدك ؟ قال : أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ :«لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه الذي يخاف» أخرجوه من طريق سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت عن أنس. قال الترمذي : غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن النبي ﷺ مرسلاً.
وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها، وإن الكفر غير مرضيّ لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة ؟ والمعنى : لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه كما سيأتي بيانه آخر البحث، وتابعه على ذلك عكرمة والسدّي وغيرهما. ثم اختلفوا في الآية اختلافاً آخر. فقال قوم : إنه يريد كفر الكافر، ولا يرضاه، وقال آخرون : إنه لا يريده ولا يرضاه، والكلام في تحقيق مثل هذا يطول جداً. وقد استدلّ القائلون بتخصيص هذه الآية، والمثبتون للإرادة مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه :﴿يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء﴾ [النحل: ٩٣] ﴿وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠]، ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز. ثم لما ذكر سبحانه : أنه لا يرضى لعباده الكفر بيّن أنه يرضى لهم الشكر، فقال :﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي : يرض لكم الشكر المدلول عليه بقوله، وإن تشكروا ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر ؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وشيبة، وهبير عن عاصم بإسكان الهاء من يرضه، وأشبع الضمة على الهاء ابن ذكوان، وابن كثير، والكسائي، وابن محيصن، وورش عن نافع، واختلف الباقون. ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي : لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى ﴿ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من خير وشر، وفيه تهديد شديد ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي : بما تضمره القلوب وتستره، فكيف بما تظهره وتبديه.