الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ : قرأ الحَرميَّان : نافعٌ وابنُ كثير بتخفيف الميم، والباقون بتشديدها. فأمَّا الأُولى ففيها وجهان، أحدهما : أنها همزةُ الاستفهامِ دَخَلَتْ على " مَنْ " بمعنى الذي، والاستفهامُ للتقريرِ، ومقابلُه محذوفٌ، تقديرُه : أمَنْ هو قانتٌ كمَنْ جعل للَّهِ تعالى أنداداً، أو أَمَنْ هو قانِتٌ كغيرِه، أو التقدير : أهذا القانِتُ خيرٌ أم الكافرُ المخاطبُ بقوله :﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ ويَدُلُّ عليه قولُه :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فحذفَ خبرَ المبتدأ أو ما يعادِلُ المُسْتَفْهَم عنه. والتقديران الأوَّلان أَوْلى لقلةِ الحَذْفِ. ومن حَذْفِ المعادِلِ للدلالةِ قولُ الشاعر :
يريد : أم غَيٌّ. والثاني : أَنْ تكونَ الهمزةُ للنداءِ، و " مَنْ " منادى، ويكون المنادى هو النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو المأمورُ بقولِه :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ كأنه قال : يا مَنْ هو قانِتٌ قل كَيْتَ وكَيْتَ، كقولِ الآخرِ :
أزيدُ أخا وَرْقاءَ إنْ كنتَ ثائراً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه بُعْدٌ، ولم يَقَعْ في القرآن نداءٌ بغير يا حتى يُحْمَلَ هذا عليه. وقد ضَعَّفَ الشيخُ هذا الوجهَ بأنه أيضاً أجنبيٌّ مِمَّا قبله وممَّا بعده. قلت : قد تقدَّمَ أنه ليس أجنبياً ممَّا بعدَه ؛ إذ المنادَى هو المأمورُ بالقولِ. وقد ضَعَّفَه الفارسي أيضاً بقريبٍ مِنْ هذا. وقد تَجَرَّأ على قارئِ هذه القراءةِ أبو حاتم والأخفش.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فهي " أم " داخلةً على " مَنْ " الموصولةِ أيضاً فأُدْغِمَتْ الميمُ. وفي " أم " حينئذٍ قولان، أحدهما : أنها متصلةٌ، ومعادِلُها محذوفٌ تقديرُه : آلكافرُ خيرٌ أم الذي هو قانِتٌ. وهذا معنى قولِ الأخفشِ. قال الشيخ : ويحتاج حَذْفُ المعادِلِ إذا كان أولَ إلى سَماعٍ ". وقيل : تقديرُه : أمَّنْ يَعْصي أمَّن هو مطيعٌ فيستويان. وحُذِفَ الخبرُ لدلالةِ قولِه :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾. والثاني : أنَّها منقطعةٌ فتتقدَّرُ ب بل والهمزةِ أي : بل أمَّن هو قانِتٌ كغيرِه أو كالكافر المقولِ له : تمتَّعْ بكفرِك. وقال أبو جعفر :" هي بمعنى بل، و " مَنْ " بمعنى الذي تقديرُه : بل الذي هو قانتٌ أفضلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قبله ". وانتُقِدَ عليه هذا التقديرُ : من حيث إنَّ مَنْ تَقَدَّم ليس له فضيلةٌ البتةَ حتى يكونَ هذا أفضلَ منه. والذي ينبغي أَنْ يُقَدَّرَ :" بل الذي هو قانِتٌ مِنْ أصحاب الجنة " ؛ لدلالة ما لقسيمِه عليه مِنْ قولِه :﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. و " آناءَ " منصوبٌ على الظرفِ. وقد تقدَّم اشتقاقُه والكلامُ في مفردِه.
قوله :" ساجِداً وقائماً " حالان. وفي صاحبهما وجهان، الظاهر منهما : أنه الضميرُ المستتر في " قانِتٌ ". والثاني : أنه الضميرُ المرفوعُ ب " يَحْذَرُ " قُدِّما على عامِلهما. والعامَّةُ على نصبِهما. وقرأ الضحاك برفعهما على أحد وجهين : إمَّا النعتِ ل " قَانِتٌ "، وإمَّا أنهما خبرٌ بعد خبر.
قوله :" يَحْذَر " يجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في " قانتٌ " وأن يكونَ/ حالاً من الضمير في " ساجداً وقائماً "، وأَنْ يكونَ مستأنفاً جواباً لسؤالٍ مقدرٍ كأنه قيل : ما شأنُه يَقْنُتُ آناءَ الليل ويُتْعِبُ نفسَه ويُكُدُّها ؟ فقيل : يَحْذَرُ الآخرَة ويَرْجُو رحمةَ ربِّه، أي : عذابَ الآخرةِ. وقُرِئ ﴿إِنَّمَا يَذَّكَّرُ أُوْلُو﴾ بإدغامِ التاءِ في الذَّال.
| دَعاني إليها القلبُ إنِّي لأَمْرِها | سميعٌ فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها |
أزيدُ أخا وَرْقاءَ إنْ كنتَ ثائراً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه بُعْدٌ، ولم يَقَعْ في القرآن نداءٌ بغير يا حتى يُحْمَلَ هذا عليه. وقد ضَعَّفَ الشيخُ هذا الوجهَ بأنه أيضاً أجنبيٌّ مِمَّا قبله وممَّا بعده. قلت : قد تقدَّمَ أنه ليس أجنبياً ممَّا بعدَه ؛ إذ المنادَى هو المأمورُ بالقولِ. وقد ضَعَّفَه الفارسي أيضاً بقريبٍ مِنْ هذا. وقد تَجَرَّأ على قارئِ هذه القراءةِ أبو حاتم والأخفش.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فهي " أم " داخلةً على " مَنْ " الموصولةِ أيضاً فأُدْغِمَتْ الميمُ. وفي " أم " حينئذٍ قولان، أحدهما : أنها متصلةٌ، ومعادِلُها محذوفٌ تقديرُه : آلكافرُ خيرٌ أم الذي هو قانِتٌ. وهذا معنى قولِ الأخفشِ. قال الشيخ : ويحتاج حَذْفُ المعادِلِ إذا كان أولَ إلى سَماعٍ ". وقيل : تقديرُه : أمَّنْ يَعْصي أمَّن هو مطيعٌ فيستويان. وحُذِفَ الخبرُ لدلالةِ قولِه :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾. والثاني : أنَّها منقطعةٌ فتتقدَّرُ ب بل والهمزةِ أي : بل أمَّن هو قانِتٌ كغيرِه أو كالكافر المقولِ له : تمتَّعْ بكفرِك. وقال أبو جعفر :" هي بمعنى بل، و " مَنْ " بمعنى الذي تقديرُه : بل الذي هو قانتٌ أفضلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قبله ". وانتُقِدَ عليه هذا التقديرُ : من حيث إنَّ مَنْ تَقَدَّم ليس له فضيلةٌ البتةَ حتى يكونَ هذا أفضلَ منه. والذي ينبغي أَنْ يُقَدَّرَ :" بل الذي هو قانِتٌ مِنْ أصحاب الجنة " ؛ لدلالة ما لقسيمِه عليه مِنْ قولِه :﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. و " آناءَ " منصوبٌ على الظرفِ. وقد تقدَّم اشتقاقُه والكلامُ في مفردِه.
قوله :" ساجِداً وقائماً " حالان. وفي صاحبهما وجهان، الظاهر منهما : أنه الضميرُ المستتر في " قانِتٌ ". والثاني : أنه الضميرُ المرفوعُ ب " يَحْذَرُ " قُدِّما على عامِلهما. والعامَّةُ على نصبِهما. وقرأ الضحاك برفعهما على أحد وجهين : إمَّا النعتِ ل " قَانِتٌ "، وإمَّا أنهما خبرٌ بعد خبر.
قوله :" يَحْذَر " يجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في " قانتٌ " وأن يكونَ/ حالاً من الضمير في " ساجداً وقائماً "، وأَنْ يكونَ مستأنفاً جواباً لسؤالٍ مقدرٍ كأنه قيل : ما شأنُه يَقْنُتُ آناءَ الليل ويُتْعِبُ نفسَه ويُكُدُّها ؟ فقيل : يَحْذَرُ الآخرَة ويَرْجُو رحمةَ ربِّه، أي : عذابَ الآخرةِ. وقُرِئ ﴿إِنَّمَا يَذَّكَّرُ أُوْلُو﴾ بإدغامِ التاءِ في الذَّال.