جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلفت القرّاء في قراءة قوله : أمّنْ فقرأ ذلك بعض المكيين وبعض المدنيين وعامة الكوفيين :«أمَنْ » بتخفيف الميم ولقراءتهم ذلك كذلك وجهان : أحدهما أن يكون الألف في «أمّن » بمعنى الدعاء، يراد بها : يا من هو قانت آناء الليل، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بيا، فتقول : أزيد أقبِلْ، ويا زيد أَقبِلْ ومنه قول أوس بن حجر :
| أَبَنِي لبيني لَسْتُمُ بِيَدٍ | إلاّ يَدٌ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ |
| فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ | سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا |
والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان قرأ بكل واحدة علماء من القرّاء مع صحة كلّ واحدة منهما في التأويل والإعراب، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين، والصواب من القول عندنا فيما مضى قبل في معنى القانت، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع غير أنا نذكر بعض أقوال أهل التأويل في ذلك في هذا الموضع، ليعلم الناظر في الكتاب اتفاق معنى ذلك في هذا الموضع وغيره، فكان بعضهم يقول : هو في هذا الموضع قراءة القارىء قائما في الصلاة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا يحيى، عن عبيد الله، أنه قال : أخبرني نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سُئل عن القنوت، قال : لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام، وقرأ : أمّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللّيْلِ ساجِدا وقائما.
وقال آخرون : هو الطاعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أَمّنْ هُوْ قانِتٌ يعني بالقنوت : الطاعة، وذلك أنه قال : ثُمّ إذَا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذَا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ. . . إلى كُلّ لَهُ قانِتُونَ قال : مطيعون.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : أَمّنْ هُو قانِتٌ آناءَ اللّيْلِ ساجِدا وَقائما قال : القانت : المطيع.
وقوله : آناءَ اللّيْلِ يعني : ساعات الليل، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أَمّنْ هُوَ قانتٌ آناءَ اللّيْلِ أوّله، وأوسطه، وآخره.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ آناءَ اللّيْلِ قال : ساعات الليل.
وقد مضى بياننا عن معنى الإناء بشواهده، وحكاية أقوال أهل التأويل فيها بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله : ساجِدا وَقائما يقول : يقنت ساجدا أحيانا، وأحيانا قائما، يعني : يطيع والقنوت عندنا الطاعة، ولذلك نصب قوله : ساجِدا وَقائما لأن معناه : أمّن هو يقنت آناء الليل ساجدا طورا، وقائما طورا، فهما حال من قانت. وقوله : يَحْذَرُ الاَخِرَةَ يقول : يحذر عذابَ الاَخرة، كما :
حدثنا عليّ بن الحسن الأزديّ. قال : حدثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، في قوله : يَحْذَرُ الاَخِرَةَ قال : يحذر عقاب الاَخرة، ويرجو رحمة ربه، يقول : ويرجو أن يرحمه الله فيدخله الجنة.
وقوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لقومك : هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك، فهم يخبطون في عشواء، لا يجرجون بحسن أعمالهم خيرا، ولا يخافون بسيّئها شرا ؟ يقول : ما هذان بمتساويين. وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن علي في ذلك ما :
حدثني محمد بن خلف، قال : ثني نصر بن مزاحم، قال : حدثنا سفيان الجريري، عن سعيد بن أبي مجاهد، عن جابر، عن أبي جعفر، رضوان الله عليه هَلْ يَسْتَوي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال : نحن الذين يعلمون، وعدوّنا الذين لا يعلمون.
وقوله : إنّمَا يَتَذَكّرُ أُولُو الألْبابِ يقول تعالى ذكره : إنما يعتبر حجج الله، فيتعظ، ويتفكر فيها، ويتدبرها أهلُ العقول والحجى، لا أهل الجهل والنقص في العقول.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) يقول: ليزيل من أراد أن يوحد الله ويؤمن به عن توحيده، والإقرار به، والدخول في الإسلام. وقوله: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لفاعل ذلك: تمتع بكفرك بالله قليلا إلى أن تستوفي أجلك، فتأتيك منيتك (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) : أي إنك من أهل النار الماكثين فيها. وقوله: (تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ) : وعيد من الله وتَهَدُّدٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ (٩)﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (أَمِنَ) فقرأ ذلك بعض المكيين وبعض المدنيين وعامة الكوفيين:"أمن" بتخفيف الميم، ولقراءتهم ذلك كذلك وجهان: أحدهما أن يكون الألف في"أمَّنْ" بمعنى الدعاء، يراد بها: يا من هو قانت آناء الليل، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بيا، فتقول: أزيد أقبل، ويا زيد أقبل، ومنه قول أوس بن حجر:
| أبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُم بِيَدٍ | إلا يَدٌ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ (١) |
| فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتَانَا رَسُولُهُ | سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا (١) |
والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان قرأ بكل واحدة علماء من القرّاء مع صحة كل واحدة منهما في التأويل والإعراب، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين، والصواب من القول عندنا فيما مضى قبل في معنى القانت، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا نذكر بعض أقوال أهل التأويل في ذلك في هذا الموضع، ليعلم الناظر في الكتاب اتفاق معنى ذلك في هذا الموضع وغيره، فكان بعضهم يقول: هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائما في الصلاة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن المثني، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، أنه قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سُئل عن القنوت، قال: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام، وقرأ: (أمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا)
وقال آخرون: هو الطاعة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (أمَّنْ هُوَ قَانِتٌ) يعني بالقنوت: الطاعة، وذلك أنه قال: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)... إلى (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) قال: مطيعون.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: (أمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) قال: القانت: المطيع.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (أمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) أوله، وأوسطه، وآخره.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (آنَاءَ اللَّيْلِ) قال: ساعات الليل.
وقد مضى بياننا عن معنى الآناء بشواهده، وحكاية أقوال أهل التأويل فيها بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: (سَاجِدًا وَقَائِمًا) يقول: يقنت ساجدا أحيانا، وأحيانا قائما، يعني: يطيع، والقنوت عندنا الطاعة، ولذلك نصب قوله: (سَاجِدًا وَقَائِمًا) لأن معناه: أمَّن هو يقنت آناء الليل ساجدا طورا، وقائما طورا، فهما حال من قانت.
وقوله: (يَحْذَرُ الآخِرَةَ) يقول: يحذر عذاب الآخرة. كما حدثنا عليّ بن الحسن الأزديّ. قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، في قوله: (يَحْذَرُ الآخِرَةَ) قال: يحذر عقاب الآخرة، ويرجو رحمة ربه، يقول: ويرجو أن يرحمه الله فيدخله الجنة.
وقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك، فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرا، ولا يخافون بسيئها شرا؟ يقول: ما هذان بمتساويين.
وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن عليّ في ذلك ما حدثني محمد بن خلف، قال: ثني نصر بن مزاحم، قال: ثنا سفيان الجريري، عن سعيد بن أبي مجاهد، عن جابر، عن أبي جعفر، رضوان الله عليه (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) قال: نحن الذين يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون.