الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال :﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا قائما﴾ من خفف ( من )(١) جعله نداء أو رفعه بالابتداء، ويكون الخبر محذوفا(٢). والتقدير : أهذا أفضل ( أومن )(٣) جعل لله أندادا.
ومن شدد(٤) ف( من ) في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف على ما قدمنا في التخفيف(٥).
وقيل التقدير : أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت لأنه ذكر من جعل لله أندادا ليضل عن سبيله(٦).
ثم قال :﴿أمن هو قانت﴾ أي : أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت ؟ ودل على ذلك قوله :﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾(٧).
وقيل :( أم ) بمعنى / الألف، كأنه قال : أمن(٨) هو قانت، ويكون الجواب مضمرا بعده كأنه قال : أم من هو قانت كمن مضت صفته من الكفار(٩). قال ابن عباس : القنوت هنا : قراءة القرآن.
وآناء الليل : ساعاته، واحدة، أني كمعي(١٠) وفيه وجوه قد تقدم ذكرها(١١).
وقيل القنوت : الطاعة(١٢)، وهو أصله.
وروى الخدري(١٣) أن النبي ﷺ قال : " كل قنوت في القرآن(١٤) فهو طاعة لله عز وجل(١٥) ".
وروى جابر(١٦) أن النبي ﷺ سئل : أي الصلاة أفضل ؟ قال : " طول القنوت " (١٧). فتأوله جماعة من أهل العلم أنه طول القيام(١٨).
وسئل ابن عمر عن القنوت، فقال :( ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة القرآن )(١٩).
وقال مجاهد : من القنوت : طول الركوع، وغض الطرف(٢٠).
ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه(٢١).
وعن ابن عمر : إنها نزلت في عثمان رضي الله عنه(٢٢).
وكانوا يستحبون حسن الملبس في الصلاة.
روى نافع(٢٣) أن ابن عمر قال له : قم فصل. قال نافع : فقمت أصلي – وكان عليَّ ثوب خلق – فدعاني ابن عمر فقال لي : أرأيتك لو وجهتك في حاجة وراء الجدار، أكنت(٢٤) تمضي هكذا ؟ ! قال : فقلت : كنت أتزين ! قال : فالله جل وعز أجل أن يتزين له ! !. (٢٥)
قوله :﴿ساجدا وقائما﴾، أي : يقنت ساجدا أحيانا وقائما أحيانا ﴿يحذر الآخرة﴾. أي عذاب الآخرة.
﴿ويرجوا رحمة ربه﴾ أي : يرجو أن يرحمه ربه فيدخله الجنة.
ثم قال تعالى :﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ أي : قل يا محمد لقومك : هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعة الله عز وجل من الثواب وما عليهم في معصيته من العقاب، والذين لا يعلمون ذلك.
يعني(٢٦) : من يؤمن بالبعث والحساب والجزاء والذين لا يؤمنون بذلك. فالمعنى : لا يستوي المطيع والعاصي.
وقيل : الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم، والذين هو من لا ينتفع بعلمه، ومن لا علم عنده(٢٧).
ثم قال :﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ أي : إنما يعتبر حجج الله عز وجل فيتعظ بها ويتدبرها أصحاب العقول والبصائر.
ويقف القارئ على ( رحمة ربه ) إن شدد الميم، لأن الخبر المحذوف مقدر قبل ( قل هل )(٢٨).
ومن خفف وجعل ( من ) مرفوعة بالابتداء وقف أيضا على ( ربه ) ويقدر الخبر أيضا محذوفا قبل ( قل هل(٢٩) ).
ومن جعله نداء لم يقف على ( ربه )، لأن ( قل هل ) متصل بالمنادي.
والمعنى : يا من هو قانت قل هل، فإن قدرت محذوفا تتم به فائدة النداء، وقفت على ( ربه ).
والتقدير :( يا من هو قانت أبشر، ثم تبتدئ(٣٠) قل هل ).
١ فوق السطر في (ع)..
٢ انظر: مشكل إعراب القرآن ٢/٦٣٠ وإعراب الزجاج ٢/٦٤٩ وإعراب النحاس ٤/٥ والمحرر الوجيز ١٤/٦٧، والبيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٢٢..
٣ (ح): ومن..
٤ بالتخفيف قرأ نافع وحمزة وابن كثير انظر: ذلك في الكشف ٢/٢٣٧، وحجة القراءات ٦٢٠ وسراج القارئ ٣٣٨ وغيث النفع ٣٣٨. وقرأها بالتخفيف أيضا: عيسى وشيبة ابن نصاح ويحيى بن وثاب. انظر: هذه الإضافة في معاني الفراء ٢/٤١٦ والمحرر الوجيز ١٤/٦٧.
وقرأها بالتشديد: عاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي والحسن والأعرج وقتادة وأبو جعفر المدني. انظر: ذلك في: معاني الفراء ٢/٤١٦، والمحرر الوجيز ١٤/٦٧، وجامع القرطبي ١٥/٢٣٨..

٥ انظر: إعرابه في البيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٢٢..
٦ انظر: مشكل إعراب القرآن ٢/٦٣١..
٧ الزمر آية ١٠..
٨ (ح): أم..
٩ انظر: جامع القرطبي ١٥/٢٣٨، والجنى الداني ٣٦..
١٠ (ح): (كمعا)..
١١ تقدم ذلك في : آل عمران: ١١٣، وطه آية ١٢٨..
١٢ قاله ابن عباس: انظر: ذلك في جامع البيان ٢٣/١٢٩.
انظر: صفة الصفوة ١/٧١٤ ت ١٠٥، والإصابة ٢/٣٥ ت، ٣١٩٦ والتقريب ١/٢٨٩ ت ١٠١..

١٣ هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري أبو سعيد، من علماء الصحابة. روى عن النبي ﷺ وروى عنه ابن المسيب والشعبي ونافع وغيرهم، توفي سنة ٧٤ هـ.
انظر: صفة الصفوة ١/٧١٤ت١٠٥، والإصابة ٢/٣٥ت، ٣١٩٦ والتقريب ١/٢٨٩ ت ١٠١..

١٤ (ح): بالقرآن..
١٥ انظر: جامع القرطبي ١٤/٢٠ وإعراب النحاس ٤/٦ و٣/٢٧٠..
١٦ هو جابر بن عبد الله بن عمرو الخرزجي الأنصاري صحابي، فقيه، روى عن النبي ﷺ وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، توفي سنة ٧٨ هـ.
انظر: طبقات ابن سعد ٣/٥٧٤، وتذكرة الحفاظ ١/٤٣ت٢١..

١٧ أخرجه مسلم في كتاب المسافرين الباب ٢٢، الحديث ١٦٥ عن جابر بلفظه، والترمذي في كتاب الصلاة الباب ١٦٨: ح ٢٨٥ عن جابر بلفظه، والنسائي في الزكاة الباب ٤٩ ح ٢٥٢٦ وابن ماجة في كتاب الإقامة الباب ٢٠٠ ح ١٤٢١، وأحمد ٣/٣٠٢ و٣/٣١٤ و٣/٣٩١ كلها عن جابر بلفظ الحديث..
١٨ انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ٦/٣٥ و٣٦ وقد أضاف قائلا: (وفيه دليل للشافعي ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود)..
١٩ انظر: جامع البيان ٢٣/١٢٩، وإعراب النحاس ٤/٦، وجامع القرطبي ١٥/٢٣٩..
٢٠ (ح): (وعض الطرف. قوله: وعض الطرف: معناه ما قال ابن شهاب: إنه الخاشع في صلاته). وانظر: إعراب النحاس ٤/٦، وجامع القرطبي ١٥/٢٣٩..
٢١ انظر: أسباب النزول ٢٤٧ برواية عطاء عن ابن عباس..
٢٢ انظر: أسباب النزول ٢٤٧، وجامع القرطبي ١٥/٢٣٩، ولباب النقول ١٨٩..
٢٣ هو نافع بن جرجس أبو عبد الله الديلمي مولى ابن عمر رضي الله عنه، أجمع العلماء على توثيقه وأمانته توفي سنة ١١٦. وفيه خلاف..
٢٤ (ح): كنت..
٢٥ انظر: إعراب النحاس ٤/٦، وجامع القرطبي ١٥/٢٣٩..
٢٦ (ح): أو وقد كتبت في الطرة..
٢٧ انظر: إعراب النحاس ٤/٧، وجامع القرطبي ١٥/٢٤٠..
٢٨ انظر: المكتفى ٤٨٧، ومنار الهدى ٢٧٠، والمقصد ٧٤..
٢٩ منارة الهدى ٢٧٠..
٣٠ في طرة (ع)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى