مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿أَمَّنْ﴾ قرأ بالتخفيف مكي ونافع وحمزة على إدخال همزة الاستفهام على «من »، وبالتشديد غيرهم على إدخال «أم » عليه و «من » مبتدأ خبره محذوف تقديره «أمن » ﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ كغيره أي أمن هو مطيع كمن هو عاص والقانت المطيع لله ؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جرى ذكر الكافر قبله، وقوله بعده ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ءَانَاءَ اليل﴾ ساعاته ﴿ساجدا وَقَائِماً﴾ حالان من الضمير في ﴿قَانِتٌ﴾ ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ أي عذاب الآخرة ﴿وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي الجنة، ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته لا عمله ويحذر عقابه لتقصيره في عمله. ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمناً، والخوف إذا جاوز حده يكون إياساً، وقد قال الله تعالى ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩] وقال ﴿إنه لا ييأس من من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧]، فيجب أن لا يجاوز أحدهما حده ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون ويعملون به كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ويفتنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء، أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلك لا يستوي المطيع والعاصي ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب﴾ جمع لب أي إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول.