الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ﴾ : شرطٌ جوابُه مقدرٌ، ويختلف تقديرُه باختلافِ التفسير في قوله :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ فقال مجاهد :" معناه مَنْ كان يريد العزَّةَ بعبادةِ الأوثان، فيكونُ تقديرُه : فَلْيَطْلبها ". وقال قتادة :" مَنْ كان يريد العزَّة وطريقه القويم ويحب نيْلَها على وجهِها، فيكون تقديره على هذا : فليطلبها ". وقال الفراء :" من كان يريد عِلمَ العزة، فيكون التقدير : فليَنْسُبْ ذلك إلى الله تعالى ". وقيل : مَنْ كان يريد العزة التي لا تَعْقُبها ذِلَّةٌ، فيكونُ التقديرُ : فهو لا يَنالُها. ودَلَّ على هذه الأجوبةِ قولُه :" فَلِلَّهِ العِزَّةُ " وإنما قيل : إن الجوابَ محذوفٌ، وليس هو هذه الجملةَ لوجهين، أحدهما : أنَّ العزَّةَ لله مطلقاً، مِنْ غيرِ ترتُّبِها على شرطِ إرادةِ أحدٍ. الثاني : أنَّه لا بُدَّ في الجواب مِنْ ضميرٍ يعودُ على اسم الشرط، إذا كان غيرَ ظرف، ولم يُوْجَدْ هنا ضميرٌ. و " جميعاً " حالٌ، والعاملُ فيها الاستقرارُ.
قوله :" إليه يَصْعَدُ " العامَّةُ على بنائِه للفاعل مِنْ " صَعِد " ثلاثياً، " الكَلِمُ الطيِّبُ " برفعِهما فاعِلاً ونعتاً. وعلي وابن مسعود " يُصْعِدُ " مِنْ أَصْعَدَ، " الكلمَ الطيبَ " منصوبان على المفعولِ والنعت. وقُرئ " يُصْعَدُ " مبنيَّاً للمفعول. وقال ابنُ عطية :" قرأ الضحَّاك " يُصْعد " بضم الياء " لكنه لم يُبَيِّن كونَه مبنيَّاً للفاعلِ أو للمفعول.
قوله :" والعملُ الصالحُ " العامَّةُ على الرفعِ. وفيه وجهان، أحدهما : أنَّه معطوفٌ على " الكلمُ الطيبُ " فيكون صاعداً أيضاً. و " يَرْفَعُه " على هذا استئنافُ إخبارٍ من اللَّهِ تعالى بأنه يرفعُهما، وإنِّما وُحِّد الضميرُ، وإنْ كان المرادُ الكَلِمَ والعملَ ذهاباً بالضميرِ مَذْهَبَ اسمِ الإِشارة، كقوله :﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وقيل : لاشتراكِهما في صفةٍ واحدةٍ، وهي الصعودُ. والثاني : أنه مبتدأٌ، و " يرفَعُه " الخبرُ، ولكن اختلفوا في فاعل " يَرْفَعُه " على ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها : أنه ضميرُ اللَّهِ تعالى أي : والعملُ الصالحُ يرفعه اللَّهُ إليه. والثاني : أنه ضميرُ العملِ الصالحِ. وضميرُ النصبِ على هذا فيه وجهان، أحدُهما : أنه يعودُ على صاحب العمل، أي يَرْفَعُ صاحبَه. والثاني : أنه ضميرُ الكلمِ الطيبِ أي : العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ. ونُقِلَ عن ابن عباس. إلاَّ أنَّ ابنَ عطية منع هذا عن ابن عباس، وقال :" لا يَصِحُّ ؛ لأنَّ مَذْهَبَ أهلِ السنَّة أنَّ الكلمَ الطيبَ مقبولٌ، وإنْ كان صاحبُه عاصياً ". والثالث : أنَّ ضميرَ الرفعِ للكَلِمِ، والنصبِ للعملِ، أي : الكَلِمُ يَرْفَعُ العملَ.
وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بنصبِ " العمل الصالح " على الاشتغالِ، والضميرُ المرفوعُ للكلم أو للَّهِ تعالى، والمنصوبُ للعملِ.
قوله :" يَمْكُرون السَّيِّئات " يمكرون أصلُه قاصِرٌ فعلى هذا ينتصِبُ " السيِّئاتِ " على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أي : المَكَراتِ/ السيئاتِ، أو نعتٍ لمضافٍ إلى المصدر أي : أصناف المَكَراتِ السيئاتِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ " يَمْكُرون " مضمَّناً معنى يَكْسِبُون " فينتصِبُ " السيئاتِ " مفعولاً به.
قوله :" هو يَبُوْرُ " " هو " مبتدأٌ و " يبورُ " خبرُه. والجملةُ خبرُ قولِه :" ومَكْرُ أولئك ". وجَوَّزَ الحوفيُّ وأبو البقاء أَنْ يكونَ " هو " فَصْلاً بين المبتدأ وخبرِه. وهذا مردودٌ : بأنَّ الفَصْلَ لا يقعُ قبل الخبرِ إذا كان فعلاً، إلاَّ أن الجرجاني جَوَّز ذلك. وجَوَّز أبو البقاء أيضاً أَنْ يكونَ " هو " تأكيداً. وهذا مَرْدودٌ بأنَّ المضمرَ لا يُؤَكِّدُ الظاهرَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى