معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً﴾ قال الفراء : معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعاً. وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة، أي : فليطلب العزة من عند الله بطاعته، كما يقال : من كان يريد المال فالمال لفلان، أي : فليطلبه من عنده، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز كما قال الله واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا، وقال :﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً﴾ ﴿إليه﴾ أي : إلى الله، ﴿يصعد الكلم الطيب﴾ وهو قوله لا إله إلا الله، وقيل : هو قول الرجل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
أحبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أنبأنا أبو جعفر الرياني، أنبأنا حميد بن زنجويه، أنبأنا الحجاج بن نصر، أنبأنا المسعودي عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه، عن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم حديثاً أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل :" ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيى بها وجه رب العالمين، ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل قوله :﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ ذكره ابن مسعود. وقيل : الكلم الطيب : ذكر الله. وعن قتادة : إليه يصعد الكلم الطيب أي : يقبل الله الكلم الطيب. قوله :﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ أي : يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، وأكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة : الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال حسناً وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول :﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وجاء في الحديث :" لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا قولاً ولا عملاً إلا بنية ". وقال قوم : الهاء في قوله يرفعه راجعة إلى العمل الصالح أي : الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادراً عن التوحيد، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل. وقيل : الرفع من صفة الله عز وجل معناه : العمل الصالح يرفعه الله عز وجل. وقال سفيان بن عيينة : العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال، دليله قوله عز وجل :﴿فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، ﴿والذين يمكرون السيئات﴾ قال الكلبي : أي : الذين يعملون السيئات. وقال مقاتل : يعني الشرك. وقال أبو العالية : يعني الذين مكروا برسول الله ﷺ في دار النبوة، كما قال الله تعالى :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ وقال مجاهد : وشهر بن حوشب، هم أصحاب الرياء. ﴿لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور﴾ يبطل ويهلك في الآخرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى