الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني

عن الكتاب
لمّا بّيَن انتقامه من اعدائه، وهو إنعامه على أوليائه، حمد ذاته تعالى على الآية فقال: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ﴾: مُبْدع ﴿ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: بلا سبق مثال ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: بينه وبين خلقه للوحي أو الإلهام أو الرؤيا أو لإيصال آثار صنعه ﴿أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ﴾: متعددة ﴿مَّثْنَىٰ﴾: اثنين اثنين، أي: ذا جناحين ﴿وَثُلاَثَ﴾: ثلاثة ثلاثة ﴿وَرُبَاعَ﴾: أربعة أربعة، قيل: الأوزان لتكرير تلك الأعداد، فيندفع قولهم صاحب الأجنحة الثلاثة لا يطير إذ الثالث فيها عون للجناحين ﴿يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ﴾: صورة ومعنى ﴿مَا يَشَآءُ﴾: رأى عليه الصلاة والسلام جبريل في المعراج بسبعمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا يَفْتَحِ﴾: ما يرسل ﴿ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾: بعد إمساكه، أفاد يتخصيص تفسير الأول سبق رحمته ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾: في أموره ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾: في فعله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ﴾: ولا تنسوا ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾: لا موصوف بالخالقية ﴿غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ﴾: فمِنْ أيّ وجهٍ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: تصرفون عن التوحيد ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ﴾: فليس ببدع ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾: فاصبر كما صبروا ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فيجازي الكل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾: أي: لذاتها عن الآخرة ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾: بمغفرته، الشيطان ﴿ٱلْغَرُورُ﴾: فتعصوه فإنه كأكل السم اعتمادا على دفع الطبيعة ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾: عظيم ﴿فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾: بمخالفته ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ﴾: أتباعه إلى الهوى ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: فيشاركوه في منزله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾: أي: كمن وفق فرأى الباطل باطلا، دل عليه ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ﴾: فلا تهلك ﴿نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾: على غيهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾: للحسرات عليه، أفهم بجمعها تضاعف اغتمامه المقتضية لها ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: فيجازيهم ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ﴾: تزعج ﴿سَحَاباً﴾: وهذا حكاية عن الماضي ﴿فَسُقْنَاهُ﴾: التفت كما مر ﴿إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ﴾: الإحياء ﴿ٱلنُّشُورُ﴾: وفي الحديث" ينزل من تحت العرش مَطرٌ يَعمُّ الأرض وينبت الأجساد من قبورها "﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾: الشَّرف فليطلبه من الله تعالى بطاعته ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾: في الدارين ﴿إِلَيْهِ﴾: بلا واسطةٍ ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: التوحيد أو كل ذكر ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: الله تعالى، خصه به لما فيه من الكلفة، أو فاعلهُ الكلِمُ، أو العمل ﴿وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾: المكرات ﴿ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾: يفسد ولا ينفذ، ومضى في آية:﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ﴾[الأنفال: ٣٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: كآدم ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾: كذريته ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً﴾: ذكورا وإناثا ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾: إلا معلوما له ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾: يمد في العمر ﴿مِن مُّعَمَّرٍ﴾: طويل عمر ﴿وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾: نفسه، نحو: أن عمل كذا فعمره ستون، وإلا فأربعون، ويؤيد ذلك ما ورد في أسبابهما أو من عمر آخر، من باب: لي درهم ونصفه، أو المعمر: الصائر إلى التعمير ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾: اللوح أو علم الله تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: الحفظ ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ﴾: بيان قدره أخرى ﴿هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾: شديد العذوبة أو كاسر العطش ﴿سَآئِغٌ﴾: سهل الانحدار ﴿شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: محرق بملوحته ﴿وَمِن كُلٍّ﴾: منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾: السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾: عطف على من كل ﴿حِلْيَةً﴾: كاللؤلؤ والمرجان ﴿تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ﴾: في كل ﴿مَوَاخِرَ﴾: تمخر الماء، تشقه كما مر ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾: بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: نعمه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: فيزيد ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: فيزيد ﴿وَسَخَّرَ﴾: لكم ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾: منهما ﴿يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾: القيامة ﴿ذَلِكُمُ﴾: القادر الله ﴿رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ﴾: وحده ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: بالألوهية ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾: قشرة النواة ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ﴾: لأنهم جماد ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ﴾: فرضا ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾: لعجزهم ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ﴾: بإيراككم إياهم بتبريهم عن عبادتكم ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ﴾: بالأمور مُخْبرٌ ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: وهو الله تعالى

تفسير هذه الآية من كتب أخرى