الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله تعالى ذكره :﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾١٠ إلى قوله :﴿ولعلكم تشكرون﴾ ١٢.
أي : من كان يريد العزة بعبادة الأوثان والأصنام فإن لله العزة جميعا، قاله مجاهد(١).
وقال قتادة : معناه : من كان يريد أن يتعزز فليتعزز بطاعة الله(٢) وقال الفراء : معناه من كان يريد علم العزة فإنها لله جميعا، أي : كلها له(٣).
وقيل : المعنى من كان يريد العزة التي لا ذلة تعقبها فهي لله، لأن العزة إذا أعقبتها ذلة فهي ذلة إذ قصاراها للذلة(٤).
و " جميعا " منصوب على الحال(٥) أي : إن العزة في حال اجتماعها له في الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى ذكره :﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ أي : إلى الله يصعد ذكر العبد ربه، ويرفع ذكر العبد ربه العمل الصالح، وهو العمل بطاعة الله.
ويقال : الكلم الطيب هو لا إله إلا الله، يرفعه عمل الفرائض فإذا قال العبد لا إله إلا الله نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقا لقوله صعدا جميعا ولهما دوي كدوي النحل حتى يقف بين يدي الله تعالى، فينظر إلى قائلها نظرة لا يبؤس بعدها أبدا، وإذا كان عمله مخالفا لقوله، وقف حتى يموت من عمله.
قال عبد الله : إنا إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله عز وجل، إن العبد المسلم إذا قال : سبحان الله وبحمده الحمد لله لا إله إلا الله والله أكبر تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم يصعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن ثم قرأ عبد الله :
﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾(٦).
وقال كعب : إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا حول العرش كدوي النحل يذكرن بصاحبهن. والعمل في الخزائن(٧).
قال ابن عباس :﴿الكلم الطيب﴾ ذكر الله و﴿العمل الصالح﴾ أداء فرائضه فمن ذكر الله في أداء فرائضه، حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله سبحانه.
ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به(٨). وكذلك قال الحسن وابن جبير ومجاهد وأبو العالية(٩) والضحاك(١٠) وقال شهر بن حوشب(١١).
" الكلم الطيب " القرآن، " والعمل الصالح " يرفع القرآن(١٢). أي التوحيد يرفع القرآن.
روي عن ابن مسعود أنه قال : إذا حدثناكم بحديث آتيناكم بتصديقه من كتاب الله عز وجل : خمس ما قالهن عبد مسلم إلا قبض عليهن ملك فجعلهن تحت جناحه فيصعد بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بها الرحمن : الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك وتعالى ثم قرأ :﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾(١٣).
وعن قتادة أنه قال : العمل الصالح يرفعه الله(١٤). ويجب على هذا القول أن يكون الاختيار نصب " والعمل الصالح ".
وقيل : إن المعنى : والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب. ويجب أيضا على هذا التأويل أن يكون الاختيار نصب " العمل الصالح " ولم يقرأ به أحد غير عيسى بن عمر(١٥).
وما تقدم عند هذين من التأويلات لا يلزم فيها نصب " العمل " لأن الضمير لا يعود على العمل.
ثم قال :﴿والذين يمكرون السيئات﴾ أي يكتسبونها.
﴿لهم عذاب شديد﴾ يعني عذاب جهنم.
ثم قال :﴿ومكر أولئك هو يبور﴾ أي وعمل هؤلاء المشركين هو يبطل ويهلك لأنه لم يكن لله.
قال قتادة : يبور : يفسد(١٦). يقال بار، يبور إذا هلك(١٧).
وقال شهر بن حوشب : هم أصحاب الرياء(١٨).
وقال أبو إسحاق : وقد بين الله مكرهم في سورة الأنفال فقال :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك(١٩)(٢٠).
" الكلم الطيب " وقف إلا على قراءة من نصب " والعمل ".
١ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢٠ والدر المنثور ٧/٨ وتفسير مجاهد ٥٥٧.
٢ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢٠، والبحر المحيط ٧/٣٠٣.
٣ انظر: معاني الفراء ٢/٣٦٧ والمحرر الوجيز ١٣/١٥٨ والجامع للقرطبي ١٤/٣٢٨، والبحر المحيط ٧/٣٠٣.
٤ انظر: إعراب النحاس ٣/٣٦٤ والجامع للقرطبي ١٤/٣٢٨.
٥ انظر: الجامع للقرطبي ١٤/٣٢٨.
٦ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢٠ وتفسير ابن كثير ٣/٥٥٠ والدر المنثور ٧/٩ـ٨.
٧ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢١، وتفسير ابن كثير ٣/٥٥٠.
٨ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢١.
٩ هو رفيع بن مهران أبو العالية تابعي، مفسر، مقرئ، قرأ القرآن على أبي سمع من عمر وعائشة وابن مسعود وعلي. وحدث عنه قتادة. وأبو عمرو بن العلاء. توفي سنة ٩٠هـ انظر: صفة الصفوة ١/٢١١، ٤٨٥ وتذكرة الحفاظ ١/٦١، ٥٠.
١٠ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢١ والدر المنثور ٧/٩.
١١ هو أبو سعيد شهر بن حوشب الأشعري الشامي ثم البصري تابعي مشهور، روى عن أبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري وجماعة، وروى عنه قتادة وعاصم وجماعة. توفي سنة ١٠٠ هـ انظر: حلية الأولياء ٦/٥٩ ٣٢٨ وغاية النهاية ١/٣٢٩، ١٤٣٤، وتهذيب التهذيب ٤/٣٦٩، ٦٢٥.
١٢ انظر: الجامع للقرطبي ١٤/٣٣١ والدر المنثور ٧/٩.
١٣ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢٠ والمستدرك للحاكم ٢/٤٢٥.
١٤ انظر: فتح القدير ٤/٣٤١.
١٥ انظر: المختصر لابن خالويه ١٢٣، والجامع للقرطبي ١٤/٣٣١، وفتح القدير ٤/٣٤١، وقد نسب ابن خالويه هذه القراءة إلى عيسى وابن أبي عبلة.
١٦ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢١ والدر المنثور ٧/١٠.
١٧ انظر: اللسان مادة "بور" ٤/٨٦.
١٨ انظر: جامع البيان ٢٢/١٢١، والجامع للقرطبي ١٤/٣٣٢، وتفسير ابن كثير ٣/٥٥٠، والدر المنثور ٧/١٠.
١٩ الأنفال: آية ٣٠.
٢٠ انظر: معاني الزجاج ٤/٢٦٥.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى