المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله ﴿مختلف ألوانه﴾ قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره ﴿والأنعام﴾ خلق ﴿مختلف ألوانه﴾، ﴿والدواب﴾ يعم الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيهاً منهما، وقوله ﴿كذلك﴾ يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف عليه حسناً، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال كما جاءت القدرة في هذا كله، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ أي المحصلون لهذه العبرة الناظرون فيها.
قال القاضي أبو محمد : وقال بعض المفسرين الخشية رأس العلم، وهذه عبارة وعظية لا تثبت عند النقد، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية، وسببها والذي ورد عن النبي ﷺ أنه قال «خشية الله رأس كل حكمة »(١)، وقال ﷺ :«رأس الحكمة مخافة الله »(٢)، فهذا هو الكلام المنير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علماً، وقال مسروق وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وقال تعالى :﴿سيذكر من يخشى﴾(٣) [الأعلى: ١] وقال النبي ﷺ :
«أعلمكم بالله أشدكم له خشية »(٤)، وقال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم، ويقال إن فاتحة الزبور رأس الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود : كفى بخشية الله علماً وبالاغترار، به جهلاً، وقال مجاهد والشعبي : إنما العالم من يخشى الله، وإنما في هذه الآية تخصيص ﴿العلماء﴾ لا للحصر، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضاً دونه، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة، وإذا قلت إنما الله إله واحد، بان لك فتأمله، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد بها إقامة الحجة على كفار قريش.
١ أخرجه القضاعي عن انس رضي الله عنه، ولفظه كما جاء في (الجامع الصغير): (خشية الله رأس كل حكمة، والورع سيد العمل)..
٢ أخرجه الحكيم، وابن لال، عن ابن مسعود رضي الله عنه، ورمز له الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه صحيح..
٣ الآية (١٠) من سورة(الأعلى). وقد قال الله تعالى:﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾، وقال عز من قائل:﴿فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ن وقال:﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾، وقال:﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾..
٤ أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى:﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ قال:{أعلمهم بالله أشدهم له خشية)، هكذا ذكره في (الدر المنثور)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى