زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ في " ثم " وجهان :
أحدهما : أنها بمعنى الواو.
والثاني : أنها للترتيب والمعنى : أنزلنا الكتب المتقدمة، ثم أورثنا الكتاب ﴿الذين اصطفينا﴾ وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم أمة محمد ﷺ، قاله ابن عباس.
والثاني : أنهم الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وفي الكتاب قولان :
أحدهما : أنه اسم جنس، والمراد به الكتب التي أنزلها الله عز وجل، وهذا يخرج على القولين. فإن قلنا : الذين اصطفوا أمة محمد، فقد قال ابن عباس : إن الله أورث أمة محمد ﷺ كل كتاب أنزله. وقال ابن جرير الطبري : ومعنى ذلك : أورثهم الإيمان بالكتب كلها- وجميع الكتب تأمر بإتباع القرآن- فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها ؛ واستدل على صحة هذا القول بأن الله تعالى قال في الآية التي قبل هذه :﴿والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ وأتبعه بقوله :﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ فعلمنا أنهم أمة محمد، إذ كان معنى الميراث : انتقال شيء من قوم إلى قوم، ولم تكن أمة على عهد نبينا انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته. فإن قلنا : هم الأنبياء وأتباعهم، كان المعنى : أورثنا كل كتاب أنزل على نبي ذلك النبي وأتباعه.
والقول الثاني : أن المراد بالكتاب القرآن.
وفي معنى " أورثنا " قولان :
أحدهما : أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد.
والثاني : أخرنا، ومنه الميراث، لأنه تأخر عن الميت ؛ فالمعنى : أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة، إكراما لها، ذكره بعض أهل المعاني.
قوله تعالى :﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ﴾ فيه أربعة أقوال :
أحدها : أنه صاحب الصغائر ؛ روى عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ أنه قال :" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له ". وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في هذه الآية، قال :" كلهم في الجنة ".
والثاني : أنه الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، رواه عطاء عن ابن عباس.
والثالث : أنه الكافر، رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس، وقد رواه ابن عمر مرفوعا إلى النبي ﷺ. فعلى هذا يكون الاصطفاء لجملة من أنزل عليه الكتاب، كما قال :﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي : لشرف لكم، وكم من مكرم لم يقبل الكرامة !
والرابع : أنه المنافق، حكي عن الحسن. وقد روي عن الحسن أنه قال : الظالم : الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد : الذي قد استوت حسناته وسيئاته، والسابق : من رجحت حسناته. وروي عن عثمان بن عفان أنه تلا هذه الآية، فقال : سابقنا أهل جهادنا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا.
قوله تعالى :﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾ وقرأ أبو المتوكل، والجحدري، وابن السميفع :" سباق " مثل : فعال ﴿بِالْخَيْراتِ﴾ أي : بالأعمال الصالحة إلى الجنة، أو إلى الرحمة ﴿بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ أي : بإرادته وأمره ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ يعني إيراثهم الكتاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى