الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
فإن قلت : ما معنى قوله :﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب﴾ ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا بتوريثه. أو قال : أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله ﴿الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم أمّته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة ؛ لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله. ومقتصد : هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وسابق من السابقين. والوجه الثاني : أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولاً وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال : إنّ الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله :﴿والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق﴾ ثم قال :﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده : أهل الملة الحنيفية.