فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
ثم أمر الله سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ولا تحصى، كما قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ فقال :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ قيل : الخطاب لأهل مكة ونعمة الله عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم، وقيل : لجميع الناس، ونعمة الله عليهم هي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه، وزلفة لديه، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق، ومعنى هذا الذكر هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها، ليس المراد ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد ذكرها به وبالقلب، أي لا تنسوها، والنعمة هنا بمعنى الإنعام، وعليه درج الجلال، وقيل : إنها بمعنى المنعم به، ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله :
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْر اللهِ﴾ من زائدة مؤكدة أي لا خالق إلا الله سبحانه وهو استفهام تقرير وإنكار وتوبيخ ﴿يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ خبر المبتدأ أو جملة مستأنفة أو صفة أخرى لخالق وخبره محذوف، والرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك.
﴿لا إِلهَ إِلا هُوَ﴾ مستأنفة مسوقة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تصرفون وهو مأخوذ من الإفك بالفتح وهو الصرف يقال : ما أفكك عم كذا أي ما صرفك عنه.
وقيل : هو مأخوذ من الإفك بالكسر وهو الكذب، لأنه مصروف عن الصدق، قال الزجاج : أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله والبعث وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى