التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما كان عليه المشركون من نقض العهود، ومن مكر سئ حاق بهم، ودعاهم - سبحانه - إلى الاعتبار بمن سبقهم، وبين لهم جانباً من مظاهر فضله عليهم. ورأفته بهم فقال - تعالى - :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ.. كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾.
قال القرطبى : قوله - تعالى - :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم﴾ هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمداً ﷺ حين بلغهم أن أهل الكتاب، كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم..
و ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أى : أقوى أيمانهم وأغلظها والجهد : الطاقة والوسع والمشقة.
يقال : جهد نفسه يجهدها فى الأمر، إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه.
والمراد : أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها، بكل ألفاظ التوكيد والتوثيق.
أى : أن كفار مكة، أقسموا بالله - تعالى - قسماً مؤكداً موثقاً مغلظاً، ﴿لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ أى : نبى ينذرهم بأن الكفر باطل وأن الإِيمان بالله هو الحق.
﴿لَّيَكُونُنَّ أهدى﴾ سبيلا ﴿مِنْ إِحْدَى الأمم﴾ أى : ليكونن أهدى من اليهود ومن النصارى ومن غيرهم فى اتباعهم وطاعتهم، لهذا الرسول الذى يأتيهم من عند ربهم لهدايتهم إلى الصراط المستقم.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد ﷺ الذى هو أشرف الرسل.
﴿مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾ أى : ما زادهم مجيئه لهم نفورا عن الحق، وتباعدا عن الهدى. أى : أنهم قبل مجئ الرسول ﷺ كانوا يتمنون أن يكون الرسول منهم، لا من غيرهم، وأقسموا بالله بأنهم سيطيعونه فلما جاءهم الرسول ﷺ نفروا عنه ولم يؤمنوا به.
وإنما كان القسم بالله - تعالى - غاية أيمانهم، لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وبأصنامهم، فإذا اشتد عليهم الحال، وأرادوا تحقيق الحق، حلفوا بالله - تعالى -.
وقوله ﴿لَّيَكُونُنَّ﴾ جواب القسم المقدر. وقوله :﴿مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾ جواب لمَّا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى