التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، والمطيع، والعاصى، فقال :﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً...﴾.
والاستفهام للإِنكار. و " من " موصولة فى مضوع رفع على الابتداء. والجملة بعدها صلنها، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، و ﴿زُيِّنَ﴾ من التزيين بمعنى التحسين. وقوله ﴿سواء عَمَلِهِ﴾ أى : عمله السيئ. فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف.
والمعنى : أفمن زين له الشيطان عمله السيئ، فرآه حسنا، كمن ليس كذلك ؟ كلا إنهما لا يستويان فى عرف أى عاقل، فإن الشخص الذى ارتكب الأفعال القبيحة التى زينها له الشيطان، أو نفسه الأمارة بالسوء، أو هواه... مصيره إلى الشقاء والتعاسة.
أما الشخص الذى خالف الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى المردى.. فمصيره إلى السعادة والفلاح.
وقد صرح - سبحانه - بالأمرين فى آيات منها قوله - تعالى - ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ وجملة ﴿فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ تعليل لسببية التزيين لرؤية القبيح حسنا..
أى : هؤلاء الذين يعملون الأعمال السيئة، وهم يحسبون أنهم يسحنون صنعا، لا قدرة لك على هدايتهم - أيها الرسول الكريم - فإن الله - تعالى - وحده، هو الذى يضل من يشاء إضلاله، ويهدى من يشاء هدايته.
والفاء فى قوله - تعالى - :﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ لتفريع. والحسرات جمعه حسرة، وهى أشد ما يعترى الإِنسان من ندم على أمر قد مضى وانتهى والجار والمجرور " عليهم " متعلق بقوله " حسرات ".
أى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فامض فى طريقك وبلغ رسالة ربك، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا تهلك نفسك هما وغما وحزنا من اجل هؤلاء الذين أعرضوا عن الحق، واعتنقوا الباطل، وظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعا..
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسلية الرسول ﷺ فقال - تعالى - :﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
أى : إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ مما يفعله هؤلاء الجاهلون من أفعاله قبيحة، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب.
وشبيه هذه الآية قوله - تعالى - :﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله - سبحانه - :﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾
وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لرسوله ﷺ وبعد هذا التحذير من وسوسة الشيطان ومن خداعه، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، بعد كل ذلك.. ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده، ومن حرمته بهم، نرى ذلك فى الرياح وفى السحب، وفى البحار والأنهار، وفى الليل نهار، وفى الشمس القمر... وفى غير ذلك من النعم الظاهرة والباطنة فى هذا الكون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى