روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماوات فِى يَوْمَيْنِ﴾ تفسيراً وتفصيلاً لتكوين السماء المجمل المعبر عنه بالأمر وجوابه لا أنه فعل مترتب على تكوينهما أي خلقهن خلقاً ابداعياً وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة في وقتين وضمير ﴿هُنَّ﴾ اما للسماء على المعنى لأنه بمعنى السموات ولذا قيل : هو اسم جمع فسبع حال من الضمير وإما مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز فهو له وان تأخر لفظاً ورتبة لجوازه في التمييز نحو ربه رجلاً وهو وجه عربي.
وقال أبو حيان : انتصب ﴿سَبْعَ﴾ على الحال وهو حال مقدرة، وقال بعضهم : بدل من الضمير، وقيل : مفعول به والتقدير قضى منهن سبع سموات، وقال الحوفي : على أنه مفعول ثان على تضمين القضاء معنى التصيير ولم يذكر مقدار زمن خلق الأرض وخلق ما فيها اكتفاء بذكره في بيان تقديرهما، وقوله تعالى :﴿وأوحى في كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ عطفاً على ﴿قضاهن﴾ أي خلق في كل منها ما استعدت له واقتضت الحكمة أن يكون فيها من الملائكة والنيرات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى كما يقتضيه كلام السدى. وقتادة فالوحي عبارة عن التكوين كالأمر مقيد بما قيد به المعطوف عليه من الوقت أو أوحى إلى أهل كل منها أو أمره وكلفهم ما يليق بهم من التكاليف كما قيل : فالوحي بمعناه المشهور من بين معانيه ومطلق عن القيد المذكور أو مقيد به فيما أرى، واحتمال التقييد والإطلاق جار في قوله تعالى :﴿وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح﴾ أي من الكواكب وهي فيها وان تفاوتت في الارتفاع والانخفاض على ما يقتضيه الظاهر أو بعضها فيها وبعضها فيما فوقها لكنها لكونها كلها ترى متلألئة عليها صح كوم تزيينها بها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية، وأما قوله تعالى :﴿وَحِفْظاً﴾ فهو مفعول مطلق لفعل مقدر معطوف على قوله تعالى :﴿زَيَّنَّا﴾ أي وحفظناها حفظاً، والضمير للسماء وحفظها اما من الآفات أو من الشياطين المسترقة للسمع وتقدم الكلام في ذلك وقيل الضمير للمصابيح وهو خلاف الظاهر، وجوز كونه مفعولاً لأجله على المعنى أي معطوفاً على مفعول له يتضمنه الكلام السابق أي زينة وحفظاً، ولا يخفى أنه تكلف بعيد لا ينبغي القول به مع ظهور الأول وسهولته كما أشار في البحر.
وجعل قوله تعالى :﴿ذلك﴾ إشارة إلى جميع الذي ذكر بتفاصيله أي ذلك المذكور ﴿تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ أي البالغ في القدرة والبالغ في العلم، ثم قال صاحب الإرشاد بعد ما سمعت مما حكى عنه : فعلى هذا لا دلالة في الآية الكريمة على الترتيب بين إيجاد الأرض وإيجاد السماء وإنما الترتيب بين التقدير أي تقدير إيجاد الأرض وما فيها وإيجاد السماء وأما على تقدير كون الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة فهي تدل على تقدم خلق الأرض وما فيها وعليه اطباق أكثر أهل التفسير، ولا يخفى عليك ان حمل تلك الأفعال على ما حلمها عليه خلاف الظاهر كما هو مقربة، وعدم التعرض لخلق الأرض وما فيها بالفعل كما تعرض لخلق السموات كذلك لا يلائم دعوى الاعتناء التي أشار إليها في بيان وجه تخصيص البيان بما يتعلق بالأرض وما فيها على أن خلق ما فيها بالفعل غير ظاهر من قوله تعالى :﴿فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] لاسيما وقد ذكرت الأرض قبل مستقلة وذكر ما فيها مستقلاً فلا يتبادر من الأرض هنا إلا تلك الأرض المستقلة لا هي مع ما فيها، وأمر تقدم خلق الأرض وتأخره سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه.
وقيل : إن اتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة وفيه جمع بين معنيين مجازيين حيث شبه البروز من العدم وبسط الأرض وتمهيدها بالإتيان من مكان آخر وفي صحة الجمع بينهما كلام على أن في كون الدحو مؤخراً عن جعل الرواسي كلاماً أيضاً ستعرفه إن شاء الله تعالى، وقيل : المراد لتأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما وأيد بقراءة ابن عباس. وابن جبير. ومجاهد ﴿آتَيَا وَقالتا أتَيْنَا﴾ على أن ذلك من المواتات بمعنى الموافقة، قال الجوهري : تقول آتيته على ذلك الأمر مواتاة إذا وافقته وطاوعته لأن المتوافقين يأتي كل منهما صاحبه وجعل ذلك من المجاز المرسل وعلاقته اللزوم، وقال ابن جني : هي المسارعة وهو حسن أيضاً ولم يجعله أكثر الأجلة من الايتاء لأنه غير لائح وجعله ابن عطية منه وقدر المفعول أي أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما وما تقدم أحسن وما أسلفناه في أول الأوجه من الكلام يأتي نحوه هنا كما لا يخفى.
واختلف الناس في أمر التقدم والتأخر في خلق كل من السموات وما فيها والأرض وما فيها وذلك للآيات والأحاديث التي ظاهرها التعارض فذهب بعض إلى تقدم خلق الأرض لظاهر هذه الآية حيث ذكر فيها أولاً خلق الأرض وجعل الرواسي فيها وتقدير الأقوات ثم قال سبحانه :﴿ثُمَّ استوى إِلَى السماء﴾ [فصلت: ١١] الخ وأبى أن يكون الأمر بالإتيان للأرض أمر تكوين، ولظاهر قوله تعالى في آية البقرة :﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ﴾ [البقرة: ٢٩] وأول آية النازعات أعني قوله تعالى :﴿أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السماء بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضحاها والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا ومرعاها والجبال أرساها متاعا لَّكُمْ ولأنعامكم﴾ [النازعات: ٢٧-٣٣] لما أن ظاهره يدل على تأخر خلق الأرض وما فيها من الماء والمرعى والجبال لأن ذلك إشارة إلى السابق وهو رفع السمك والتسوية، والأرض منصوب بمضمر على شريطة التفسير أي ودحا الأرض بعد رفع السماء وتسويتها دحاها الخ بأن الأرض منصوب بمضمر نحو تذكر وتدبر أو اذكر الأرض بعد ذلك لا بمضمر على شريطة التفسير أو به وبعد ذلك إشارة إلى المذكور سابقاً من ذكر خلق السماء لا خلق السماء نفسه ليدل على أنه متأخر في الذكر عن خلق السماء تنبيهاً على أنه قاصر في الأول لكنه تتميم كما تقول جملاً ثم تقول بعد ذلك كيت وكيت وهذا كثير في استعمال العرب والعجم، وكأن بعد ذلك بهذا المعنى عكسه إذا استعمل لتراخي الرتبة والتعظيم ؛ وقد تستعمل ثم أيضاً بهذا المعنى وكذا الفاء، وبعضهم يذهب في الجواب إلى ما قاله ابن عباس.
فقد روى الحاكم. والبيهقي بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فقال : رأيت أشياء تختلف علي في القرآن قال : هات ما اختلف عليك من ذلك فقال : اسمع الله تعالى يقول :﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الارض حتى بَلَغَ طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩-١١] فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال سبحانه في الآية الأخرى :﴿أَمِ السماء بناها ثُمَّ قَالَ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها﴾ [ النازعات : ٢٧ ٣٠ ] فبدأ جل شأنه بخلق السماء قبل خلق الأرض. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أما خلق الأرض في يومين فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض، وأما قوله تعالى :﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها﴾ يقول جعل فيها جبلاً وجعل فيها نهراً وجعل فيها شجراً وجعل فيها بحوراً انتهى، قال الخفاجي : يعني أن قوله تعالى :﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا﴾ بدل أو عطف بيان لدحاها بمعنى بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها في هذه الآية ليس بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به فإن البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير وقيده المذكور كما لو قلت : بعثت إليك رسولاً ثم كنت بعثت فلاناً لينظر ما يبلغه فبعت الثاني وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر عنه فجعل نفسه متأخراً. فإن قلت : كيف هذا مع ما رواه ابن جرير. وغيره وصححوه عن ابن عباس أيضاً أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال عليه الصلاة والسلام :«خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة فقال تعالى :﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الارض فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩، ١٠] وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة » فإنه يخالف الأول لاقتضائه خلق ما في الأرض من الأشجار والأنهار ونحوها قبل خلق السماء قلت : الظاهر حمله على أنه خلق فيما ذكر مادة ذلك وأصوله إذ لا يتصور العمران والخراب قبل خلق السماء فعطف عليه قرينة لذلك فلا تعارض بين الحديثين كما أنه ليس بين الآيات اختلاف انتهى كلام الخفاجي، ولا يخفى أن قول ابن عباس السابق نص في أن جعل الجبال في الأرض بعد خلق السماء وهو ظاهر آية النازعات إذ كان بعد ذلك معتبراً في قوله تعالى :﴿والجبال أرساها﴾ [النازعات: ٣٢] وآية حم السجدة ظاهرة في أن جعل الجبال قبل خلق السموات، ثم إن رواية ابن جرير المذكورة عنه مخالفة لخبر مسلم عن أبي هريرة قال :" أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال : خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل " واستدل في «شرح المهذب » بهذا الخبر على أن السبت أول أيام الأسبوع دون الأحد ونقله عن أصحابه الشافعية وصححه الأسنوي وابن عساكر، وقال العلامة ابن حجر : هو الذي عليه الأكثرون وهو مذهبنا يعني الشافعية كما في الروضة وأصلها بل قال السهيلي في روضه لم يقل بأن أوله الأحد إلا ابن جرير، وجرى النووي في موضع على ما يقتضي أن أوله الأحد فقال : في يوم الاثنين سمي به لأنه ثاني الأيام. وأجيب بأنه جرى في توجيه التسمية المكتفى فيه بأدنى مناسبة على القول الضعيف.
وانتصر القفال من الشافعية لكون أوله الأحد بأن الخبر المذكور تفرد به مسلم وقد تكلم عليه الحفاظ. على ابن المديني. والبخاري. وغيرهما وجعلوه من كلام كعب وأن أبا هريرة إنما سمعه منه ولكن اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً. وأجيب بأن من حفظ الرفع حجة على من لم يحفظه والثقة لا يرد حديثه بمجرد الظن ولأجل ذلك أعرض مسلم عما قاله أولئك واعتمد الرفع وخرج طريقه في «صحيحه » فوجب قبولها. وذكر أحمد بن المقري المالكي أن الإمام أحمد رواه أيضاً في مسنده عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ شبك بيدي أبو القاسم ﷺ وقال :" خلق الله تعالى الأرض يوم السبت " الحديث، وفي «الدر المنثور » عدة أخبار عن ابن عباس ناطقة بأن مبدأ خلق الأرض كان يوم الأحد، وفيه أيضاً أخرج ابن جرير عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال :«جاء اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا : يا محمد أخبرنا ما خلق الله تعالى من الخلق في هذه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى