تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ أي : لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء :﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي : فهو لا يخالف ولا يمانع، وإليه ترجعون.
قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك، عن عبيد المُكْتَب، عن الشعبي (١)، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وتبسم(٢)، فقال :" ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت ؟ " قالوا : يا رسول الله من أي شيء ضحكت ؟ قال :" عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول : أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني ؟ قال : بلى فيقول : فإني لا أقبل عليّ شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله تبارك وتعالى : أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين ؟ ! قال : فيردد هذا الكلام مرارا ". قال :" فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول : بُعْدًا لكُنَّ وسُحقا، عنكن كنت أجادل ".
ثم رواه (٣) هو وابن أبي حاتم، من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبيد المُكْتَب، عن فُضيل بن عمرو، عن الشعبي (٤) ثم قال :" لا نعلم رواه عن أنس غير الشعبي ". وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عُبَيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن الثوري به(٥). ثم قال النسائي :" لا أعلم أحدا رواه عن الثوري غير الأشجعي ". وليس كما قال كما رأيت، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلَّية، عن يونس ابن عُبَيْد، عن حُميد بن هلال قال : قال أبو بُرْدَة : قال أبو موسى : ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه - عز وجل - عمله، فيجحد ويقول : أي رب، وعزتك لقد كتب على هذا الملك ما لم أعمل ! فيقول له الملك : أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا ؟ فيقول : لا وعزتك، أي رب ما عملته. [ قال ] (٦) فإذا فعل ذلك خُتِم على فيه - قال الأشعري : فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى.
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زُهَيْر حدثنا حسن، عن ابن لَهِيعة : قال دَرّاج عن أبي الهيثم(٧) عن أبى سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال :" إذا كان يوم القيامة عُرّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال : هؤلاء جيرانك، يشهدون عليك ؟ فيقول : كذبوا. فيقول : أهلك [ و ] (٨) عشيرتك ؟ فيقول : كذبوا. فيقول : احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم، ويدخلهم النار " (٩).
وقال ابن أبي حاتم : وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث : سمعت أبي : حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صُبيْح أبي الضُّحى، عن ابن عباس : أنه قال لابن الأزرق : إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح، فتقول :﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتقر الألسنة بعد الجحود.
وقال (١٠) ابن أبي حاتم : حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن - وصف رجلا جحد - قال : فيشير الله إلى لسانه، فيربو في فمه(١١) حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة، ثم يقول لآرابه (١٢) كلها : تكلمي واشهدي عليه. فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده، وفرجه ويداه ورجلاه : صنعنا، عملنا، فعلنا.
وقد تقدم أحاديث كثيرة، وآثار عند قوله تعالى في سورة يس :﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال ابن أبي حاتم - رحمه الله - : حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي، عن ابن خُثَيْم، عن أبي الزبير(١٣)، عن جابر بن عبد الله قال : لما رجعت إلى النبي (١٤) ﷺ مهاجرة البحر قال :" ألا تحدثون بأعاجيب (١٥) ما رأيتم بأرض الحبشة ؟ " فقال فتية منهم : بلى يا رسول الله، بينا (١٦) نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت : سوف تعلم يا غُدَر، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا ؟ قال : يقول رسول الله ﷺ :" صَدَقَتْ [ و ] (١٧) صدقت، كيف يُقدس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم ؟ ".
هذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا يحيى بن سليم، به(١٨)
١ - (٣) في ت: "وروى الحافظ أبو بكر البزار بإسناده"..
٢ - (٤) في أ: "أو تبسم"..
٣ - (٥) في ت: "ورواه"..
٤ - (٦) ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (١٨) من طريق مهران بن أبي عمر عن سفيان الثوري بنحوه..
٥ - (١) صحيح مسلم برقم (٢٩٦٩)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٦٥٣)..
٦ - (٢) زيادة من أ..
٧ - (٣) في ت: "وقال الحافظ أبو يعلى بإسناده"..
٨ - (٤) زيادة من أ..
٩ - (٥) مسند أبي يعلى (٥٢٦٢)، ودراج عن أبي الهيثم، ضعيف..
١٠ - (٦) في ت: "وروى"..
١١ - (٧) في ت، س، أ: "فيه"..
١٢ - (٨) في أ: "لأركانه"..
١٣ - (١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده"..
١٤ - (٢) في أ: "رسول الله"..
١٥ - (٣) في ت: "بأعجب"..
١٦ - (٤) في ت، س، أ: "بينما"..
١٧ - (٥) زيادة من أ..
١٨ - (٦) الأهوال لابن أبي الدنيا برقم (٢٤٣) ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٠١٠) حدثنا سويد بن سعيد فذكره. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد حسن، سويد مختلف فيه"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى