التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة له فقال ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ..﴾
و ﴿خَاشِعَةً﴾ أى، يابسة جدبة، خشعت الأرض، إذا أجدبت لعم نزول المطر عليها وقوله :﴿اهتزت﴾ أى : تحركت بالنبات قبل بروزه منها وبعد ظهوره على سطحها و ﴿وَرَبَتْ﴾ أى : انفتخت وعلت، لأن النبات إذا قارب الظهور ترى الأرض، ارتفعت له، ثم تشققت عنه. يقال : ربا الشئ إذا زاد وعلا وارتفع، ومنه الربوة للمكان المرتفع من الأرض.
أى : ومن آياته - تعالى - الدالة على وجوب العبادة له وحده، أنك - أيها العاقل - ترى الأرض يابسة جامدة، فإذا أنزلنا عليها بقدرتنا المطر، تحركت بالنبات، وارتفعت بسببه، ثم تصدعت عنه.
وعنى - سبحانه - هنا بقوله ﴿خَاشِعَةً﴾ لأن الحديث عن وجوب السجود لله - تعالى - وحده، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع.
وفى سورة الحج قال - سبحانه - :﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً..﴾ لأن الحديث هناك كان عن البعث، وعن إمكانيته، فناسب أن يعبر بالهمود الذى يدل على فقدان الحياة.
قال - تعالى - ﴿ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ...﴾ وقوله - تعالى - :﴿إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بيان لمظاهر قدرته - عز وجل -.
أى : إن الذى أحياها بنزول المطر عليها، ويخرج النبات منها، لقادر عن أن يحيى الموتى عن طريق البعث والنشور، إنه - سبحانه - على كل شئ قدير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى