البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿ولئن أذقناه رحمةً من بعد ضراء مَسَّتْهُ ليقولَنَّ هذا لِي﴾ أي : وإذا فرجنا عنه بصحّة بعد مرض، أو : سعة بعد ضيق، قال :﴿هذا لي﴾ أي : هذا قد وصل إليّ لأني استوجبته بما عندي من خير، وفضل، وأعمال برّ، أو : هذا لي لا يزول عني أبداً، ﴿وما أظنُّ الساعةَ قائمةً﴾ أي : ما أظنها تقوم فيما سيأتي، ﴿ولئن رُّجِعْتُ إِلى ربي﴾ كما يقول المسلمون، ﴿إِنَّ لي عنده لَلْحُسْنَى﴾ أي : الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، أو : الجنة. قاس أمر الآخرة على أمر الدنيا ؛ لأن ما أصابه من نِعَمِ الدنيا، زعم أنه لاستحقاقه إياها، وأن نِعَم الآخرة كذلك. وهذا غرور وحمق، الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أُمنية، " الجاهل مَن أَتْبَعَ نَفْسه هواها، وتمنّى على الله، والكيِّسُ مَن دَانَ نفسه، وعَمِلَ لما بعد الموتِ(١) ".
﴿فلننبئَنَّ الذين كفروا بما عَمِلُوا﴾ أي : فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، ﴿ولَنُذِيقَنَّهم من عذابٍ غليظٍ﴾ ؛ شديد، لا يفتر عنهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : اللائق بالأدب أن يكون العبد عند الشدة داعياً بلسانه، راضياً بقلبه، إن أجابه شكر، وإن منعه انتظر وصبر، ولا ييأس ولا يقنط، فإنه ضَمِنَ الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد، وإن فرّج عنك نسبتَ النعمةَ إليه، دون شيء من الوسائط العادية، هذا ما يُفهم من الآية، وتقدّم الكلام عليها في سورة هود(١). وبالله التوفيق.
﴿فلننبئَنَّ الذين كفروا بما عَمِلُوا﴾ أي : فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، ﴿ولَنُذِيقَنَّهم من عذابٍ غليظٍ﴾ ؛ شديد، لا يفتر عنهم.
١ أخرجه الترمذي في صفة القيامة حديث ٢٤٥٩، وابن ماجه في الزهد حديث ٤٢٦٠..