البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿يعلم خائنة الأعين﴾، كقوله :
وإن سقيت كرام الناس فاسقينا. . .
أي الناس الكرام، وجوزوا أن تكون خائنة مصدراً، كالعافية والعاقبة، أي يعلم خيانة الأعين.
ولما كانت الأفعال التي يقصد بها التكتم بدنية، فأخفاها خائنة الأعين من كسر جفن وغمز ونظر يفهم معنى ويريد صاحب معنى آخر وقلب، وهو ما تحتوي عليه الضمائر، قسم ما ينكتم به إلى هذين القسمين، وذكر أن علمه متعلق بهما التعلق التام.
وقال الزمخشري : ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين، لأن قوله :﴿وما تخفي الصدور﴾ لا يساعد عليه.
انتهى، يعني أنه لا يناسب أن يكون مقابل المعنى إلا المعنى، وتقدم أن الظاهر أن يكون التقدير الأعين الخائنة، والظاهر أن قوله :﴿يعلم خائنة الأعين﴾ الآية متصل بما قبله، لما أمر بإنكاره يوم الآزفة، وما يعرض فيه من شدة الكرب والغم، وأن الظالم لا يجد من يحميه من ذلك، ولا من يشفع له.
ذكر اطلاعه تعالى على جميع ما يصدر من العبد، وأنه مجازي بما عمل، ليكون على حذر من ذلك اليوم إذا علم أن الله مطلع على أعماله.
وقال ابن عطية :﴿يعلم خائنة الأعين﴾ متصل بقوله :﴿سريع الحساب﴾، لأن سرعة حسابه للخلق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى روية وفكر، ولا لشيء مما يحتاجه المحاسبون.
وقالت فرقة : يعلم متصل بقوله :﴿لا يخفي على الله منهم شيء﴾، وهذا قول حسن، يقويه تناسب المعنيين، ويضعفه بعد الآية من الآية وكثرة الحائل. انتهى.
وقال الزمخشري : فإن قلت : بم اتصل قوله :﴿يعلم خائنة الاعين﴾ ؟ قلت : هو خبر من أخبار هو في قوله :﴿هو الذي يريكم البرق﴾ مثل :﴿يلقي الروح﴾، ولكن من يلقي الروح قد علل بقوله :﴿لينذر يوم التلاق﴾، ثم أسقط وتذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله :﴿ولا شفيع يطاع﴾، فبعد لذلك عن إخوانه. انتهى.
وفي بعض الكتب المنزلة، انا مرصاد الهمم، انا العالم بحال الفكر وكسر العيون.
وقال مجاهد : خائنة الأعين : مسارقة النظر إلى ما لا يجوز ؛ ومثل المفسرون خائنة الأعين بالنظر الثاني إلى حرمة غير الناظر، وما تحفي الصدور بالنظر الأول الذي لا يمكن رفعه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى