مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم فسر قوله ﴿إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ بقوله ﴿مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود﴾ ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي، فيكون ذلك دائبا ودائما لا يفترون عنه، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة، وهو قوله ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة.
والنوع الثاني : من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى :﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾ يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، فتلك الجملة قائمة هاهنا، فوجب حصول الحكم هاهنا، قالت المعتزلة :﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾ يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم البتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضا أنه قادر على الظلم، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مرارا في هذا الكتاب مع الجواب، فلا فائدة في الإعادة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى