اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :«لاَ جَرَمَ » تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ » في سورة هود في قوله :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: ٢٢]، وقال الزمخشري هنا :«ورُوِيَ عن بعض العرب : لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى : لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ »(١).
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ(٢).
و«جَرَمَ » فَعَلٌ بمعنى حَق، و«أَنَّ » مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: ٢] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته(٣).
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ » نظير «لاَ بُدَّ » فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا » فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى : لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: ٦٢] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون ( العقاب )(٤) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا(٥).

فصل


قال البغوي :«لاَ جَرَمَ » حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي ( رحمه الله )(٦) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست(٧) له استجابة دعوة، فسمى(٨) استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل(٩) : ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا ؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال :«وأَنَّ مَرَدَّنَا » أي مرجعنا «إلَى اللهِ » فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ » المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾. قاله قتادة. وقال مجاهد : السفاكين الدماء(١٠).
١ الكشاف ٣/٤٢٩..
٢ أي ليس الأمر كما تصفون ثم يبتدئ ما بعده..
٣ هذا رأي الرازي في تفسيره ٢٧/٧٠ آخذا إياه من الكشاف ٣/٤٢٩..
٤ زيادة من الأصل عن ب والكشاف والرازي..
٥ قال بهذا الرأي أيضا صاحب الكشاف وتبعه الرازي انظر المرجعين السابقين..
٦ زيادة من (أ) فقط..
٧ في ب ليس وانظر البغوي ٦/٩٦..
٨ قاله الرازي ٢٧/٧١..
٩ نقله البغوي في مرجعه السابق..
١٠ الرازي السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى