مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال :﴿ما يجادل في ءايات الله إلا الذين كفروا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد ﷺ ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام ﴿يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال :﴿ما يجادل في ءايات الله إلا الذين كفروا﴾ وقال :﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ وقال :﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ وقال ﷺ :«إن جدالا في القرآن كفر » فقوله إن جدالا على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال و جدال، و أعلم أن لفظ الجدال في الشيء مشعر بالجدال الباطل ولفظ الجدال عن الشيء مشعر بالجدال لأجل تقريره والذب عنه، قال ﷺ :«إن جدالا في القرآن كفر » وقال :«لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر ». المسألة الثانية : الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا مما كانوا يقولونه من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق.
قوله تعالى :﴿فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى