تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٦٧ وقوله تعالى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ يذكر لهم الوجوه التي بها يوصل إلى معرفة شكر ما أنعم عليهم، يقول(١) :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي خلق أصلكم من تراب ﴿ثم من نطفة﴾ أي خلقكم من نطفة، يذكر لهم هذا ليُعلم خلقه إياهم من تراب ؛ أعني خلق أصلهم ليس باستعانة منه بذلك التراب، لأنه لو كان على الاستعانة منه لكان لا معنى لخلق أنفسهم من الماء [ على الصورة التي خلق من تراب وعلى جنسه ؛ إذ ليس في الماء من آثار التراب شيء، ولا في الماء ](٢) والنطفة من آثار العلقة شيء، ولا في العلقة من آثار الطفوليّة شيء من اللحم والعظم والجلد والشعر وغير ذلك ؛ ليس في التراب معنى الماء، ولا في الماء معنى التراب.
ولو كان على الاستعانة بذلك لكان المخلوق من أحدهما لا يكون مثل المخلوق من الآخر في تركيبه وتصويره، وهما يختلفان في نفسيهما.
وكذلك ما ذكر من تقلّبه من حال إلى حال وتبديله من نوع إلى نوع، وليس في كل حال تقلّب إليها من الحال التي كانت شيء، ولا من شبهها، ليعلم أن كل ذلك إنما كان بقدرته ذاتية وعلم ذاتي وتدبير ذاتيّ(٣) لا باستعانة شيء مما ذكر ولا سبب له في ذلك. ولكن كان بمعنى جعل فيه ؛ كان ذلك كذلك بوجود ذلك المعنى، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي تبلغوا حتى يشتد كل شيء منه من البنية والعقل وغير ذلك.
وقوله تعالى :﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي منكم من يتوفّي من قبل أن يبلغ شيخا.
وقوله تعالى :﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ أي لتبلغوا الأجل الذي جعل لكم.
وقوله تعالى :﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تعلقون ما بيّن لكم وذكر لكم.
١ في الأصل وم: قال..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: كذلك..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى