الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ : قال الزمخشري :" أصلُه : فإنْ نَرَكَ و " ما " مزيدةٌ لتأكيدِ معنى الشرطِ، ولذلك أُلْحِقَتِ النونُ بالفعل. ألا تراك لا تقول : إنْ تُكْرِمَنّي أُكْرِمْك، ولكنْ إمَّا تُكْرِمَنِّي أكرمْك ". قال الشيخ :" وما ذكره مِنْ تلازُمِ النونِ، و " ما " الزائدة ليس مذهبَ سيبويه، إنما هو مذهبُ المبردِ والزجَّاجِ، ونصَّ سيبويه على التخيير ". / قلت : وهذه القواعدُ وإنُ تقدَّمَتْ مُسْتَوفاةً، إلاَّ أنِّي أذكُرها لذِكْرِهم إياها، وفي ذلك تنبيهٌ أيضاً وتذكيرٌ بما تقدَّم.
قوله :" فإلينا يُرْجَعُون " ليس جواباً للشرطِ الأولِ، بل جواباً لِما عُطِفَ عليه، وجوابُ الأولِ محذوفٌ. قال الزمخشري :" فإلينا يُرْجَعُون " متعلِّق بقولِه :" نَتَوَفَّيَنَّك " وجوابُ " نُرِيَنَّك " محذوفٌ تقديرُه : فإنْ نُرِيَنَّك بعضَ الذي نَعِدُهم مِنَ العذابِ وهو القَتْلُ يومَ بدرٍ فذاك، وإنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبلَ يومِ بَدْرٍ فإلينا يُرْجَعُون فننتقمُ منهم أشدَّ الانتقامَ ". قلت : قد تقدَّمَ مثلُ هذا في سورةِ يونس وبحثُ الشيخِ معه فَلْيُلْتَفَتْ إليه. وقال الشيخ :" وقال بعضُهم : جوابُ " فإمَّا نُرِيَنَّك " محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي : فَتَقَرُّ عَيْنك. ولا يَصِحُّ أَنْ يكونَ " فإلينا يُرْجَعُون " جواباً للمعطوفِ عليه والمعطوفِ، لأنَّ تركيبَ " فإمَّا نُرِيَنَّكَ بعضَ الذين نَعِدُهم في حياتك فإلينا يُرْجَعون " ليس بظاهرٍ، وهو يَصِحُّ أَنْ يكونَ جوابَ " أو نَتَوَفَّيَنَّك " أي : فإلينا يُرْجَعُون فننتقمُ منهم ونُعَذِّبُهم لكونِهم لم يَتَّبِعوك. نظيرُ هذه الآيةِ قولُه تعالى :
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] إلاَّ أنه هنا صَرَّح بجوابِ الشرطَيْن ". قلت : وهذا بعينِه هو قولُ الزمخشريِّ.
وقرأ السُّلميُّ ويعقوبُ " يَرْجَعون " بفتح ياءِ الغَيْبَةِ مبنياً للفاعلِ. وابنُ مصرف ويعقوب أيضاً بفتح تاءِ الخطابِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى