تفسير الشعراوي — الشعراوي
عن الكتاب
تبدأ سورة هود(١) بقول الحق سبحانه وتعالى :
﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير( ١ )﴾ : وتبدأ الآية بحروف توقيفية مقطعة من الحروف التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، أي : أن كل حرف من تلك الحروف ينطق بمفرده، والحرف-كما نعلم-له اسم، وله مسمى، ونحن حين نكتب أو نتكلم نكتب أو ننطق بمسمى الحرف لا باسمه.
ولكن بعض سور القرآن الكريم تبدأ بحروف نقرأها باسم الحرف، وما عداها ينطق فيها بمسميات الحرف.
وإن أردنا معرفة الفارق بينهما، فنحن نقرأ في أول سورة البقرة ونقول :" ألف. لام. ميم " رغم أنها مكتوبة :﴿الم( ١ )﴾(٢) [ البقرة ] : إذن : فنحن ننطقها بمسميات الحروف عكس قراءتنا لقول الحق سبحانه :﴿ألم نشرح(٣) لك صدرك﴾[ الشرح ] : ونحن ننطقها بأسماء الحروف.. لماذا ؟
لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، والقرآن أصله سماع، وأنت لا تقرأ قرآنا إلا إذا سمعت قرآنا ؛ لتعرف كيف تقرأ الحروف المقطعة بأسماء الحروف، وتقرأ بقية الآيات بمسميات الحروف.
وكنا قديما قبل أن نحفظ القرآن " نصحح " اللوح، أي : أن يقرأ الفقيه أولا ليعلمنا كيف نقرأ أن نحفظ.
والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يقرأوا القرآن الكريم دون أن يجلسوا إلى فقيه أو دون أن يستمعوا إلى قارئ للقرآن.
ونقول لهم : إن القرآن ليس كتابا عاديا نقرأه، إن القرآن كتاب له خاصية مميزة، فصور الحروف تختلف، فمرة ننطق اسم الحرف، ومرة نقرأ مسمى الحرف.
وقوله الحق سبحانه :﴿الم﴾ في أول سورة هود ؛ يجعلنا نلحظ أنه من العجيب في فواتح السور-التي بدأت بهذه الحروف-أن القرآن مبنيّ على الوصل دائما، فأنت لا تأتي إلى آخر الآية وتقف، لا، بل كل القرآن وصل، مثلما نقرأ قول الله سبحانه :﴿مدهامتان(٤)( ٦٣ )فبأي آلاء(٥) ربكما تكذبان( ٦٥ )فيهما عينان نضاختان(٦)( ٦٦ )﴾[ الرحمن ].
وإن كان هناك فاصل بين كل آية وغيرها، إلا أن الآيات كلها مبنية على الوصل.
وفي آخر سورة يونس يقول الحق سبحانه :﴿.. وهو خير الحاكمين( ١٠٩ )﴾[ يونس ].
فلو لم تكن موصولة لنطقت الحرف الأخير مبينا على السكون، ولكنك تقرأه منصوبا بالفتحة. وهي موصولة بما بعدها ( بسم الله الرحمن الرحيم ).
ومن العجيب أن فواتح السور مع أنها مكونة من حروف مبينة على الوصل إلا أننا نقرأ كل حرف موقوفا، فلا نقول :{ ألف لام ميم " بل نقول :" ألف لام ميم ".
وكذلك نقرأ في أول سورة مريم " كاف هاء ياء عين صاد "، ولا نقرأ الحروف بتشكيلها الإعرابي، وهذا يدل على أن لها حكمة لا نعرفها.
وفي القرآن آيات بدئت بحرف واحد مثل قول الحق سبحانه :﴿ص والقرآن ذي الذكر( ١ )﴾[ ص ]، وقول الحق سبحانه :﴿ق والقرآن المجيد( ١ )﴾[ ق ]، وقوله الحق سبحانه :﴿ن والقلم وما يسطرون(٧)( ١ )﴾[ القلم ] : ونلحظ أن الحرف في هذه السورة ليس آية، ولكنك تقرأ قول الحق سبحانه :﴿حم( ١ )﴾(٨) [ الشورى ] : وهي آية، وكذلك تقرأ قول الحق سبحانه :﴿عسق( ٢ )﴾[ الشورى ] كآية مع أنها حروف مقطعة، وتقرأ قول الحق سبحانه :﴿كهيعص( ١ )﴾[ مريم ] كآية بمفردها.
وتقرأ قول الحق سبحانه :﴿طه( ١ )﴾[ طه ] كأية بمفردها. وكذلك تقرأ الحق :﴿يس( ١ )﴾[ يس ] كأية بأكملها.
وتجد أيضا :﴿المص( ١ )﴾[ الأعراف ] كآية. و﴿طسم( ١ )﴾[ الشعراء، والقصص ] كآية.
ونجد أيضا﴿المر.. ( ١ )﴾[ الرعد ] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة.
وتقرأ في أول سورة النمل :﴿طس( ١ )﴾ ملتحمة بما بعدها في آية واحدة.
إذن : فالمسألة لا نسق لها، ومعنى ذلك أن لكل موقف وكل حرف حكمة، والحكمة نجدها حين نتأمل العالم المادي في الحياة، فنفطن إلى عبر الله سبحانه وتعالى فآيات الكون المحسّة، ويجد الدليل على صدق الله تعالى فيما لم نعلم.
ومثال ذلك : حين ينزل الإنسان في فندق راق فهو يجد لكل غرفة مفتاحا، وهذا المفتاح لا يفتح إلا باب غرفة واحدة، ولكن في كل طابق من طوابق الفندق هناك مفتاح مع المسئول عن الطابق يسمى " سيد المفاتيح " وهو يفتح كل غرف الطابق، وقد صنعوا ذلك ؛ حتى لا يفتح كل نزيل غرفة الأخر.
ومع التقدم العلمي جعلوا الآن لكل غرفة بطاقة الكترونية، ما إن يدخلها الإنسان من فتحة معينة من باب الغرفة حتى ينفتح الباب، وكل غرفة لها بطاقة معينة، وأيضا يوجد مع مسئول الطابق في الفندق بطاقة واحدة، تفتح كل غرف الطابق.
وأنت حين تقرأ فواتح السور فافهم أن كل آية لها مفتاح، وكل حرف في هذه الفواتح قد يشبه المفتاح، وإن لم يكن معك المفتاح ذو الأسنان التي تفتح باب الغرفة ؛ فلن تنفتح لك السورة.
إذن : فكتاب الله له مفاتيح، ونحن نقرأ حروفا مقطّعة على أنها آية، أو نقرأها كجزء من آية.
وتقول من قبل القراءة :" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " (٩) لتخلص نفسك من الأغيار المناقضة لمنهج قائل القرآن، ثم تضع البطاقة الخاصة مثل قول الحق سبحانه وتعالى :﴿الم( ١ )﴾[ البقرة ]. فينفتح لك باب القراءة.
وهكذا نعرف أن هناك مفتاحا، وأن هناك فاتحا.
وخذ فواتح السور على أنها مفاتيح، وكل مفتاح له شكل ونحت معين، إن نقلته لسورة أخرى فهو لا يفتحها.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿الر﴾ وهي مكونة من ثلاثة حروف، مثل﴿الم﴾، وقد وردت في خمس سور من القرآن الكريم هي : يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر.
ولكن ﴿الم﴾ تقرأ كآية، ولكنها هنا في مقدمة سورة " هود " جزء من آية رغم أنك تقرأها مثلها مثل سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة إبراهيم، وتقرأها كآية.
وأيضا ( المص ) هي أربعة حروف تقرأها آية في سورة الأعراف، وهناك أربعة حروف في أول سورة الرعد، وتقرأها كجزء من آية في سورة الأعراف.
إذن : فليس هناك قانون لهذه الحروف التي في أوائل السور، بل كل حرف له خصوصية لم تتكشف كل أسرارها بعد(١٠)، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى قولهم " الله أعلم بمراده ".
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿الر كتاب أحكمت آياته( ١ )﴾[ هود ] : والله سبحانه يقول مرة عن القرآن أنه :﴿كتاب﴾ ومرة يقول :﴿قرآن( ٦١ )﴾[ يونس ].
والقرآن يقرأ، والكتاب يكتب، وشاء الحق سبحانه ذلك ؛ ليدلّك على أن الحافظ للقرآن مكانان : صدور، وسطور. فإن ضلّ الصدر، تذكر السطر.
ولذلك حين أراد المسلمون الأوائل جمع القرآن(١١)، ومطابقة ما في الصدور على ما في السطور، وضعوا أسسا لتلك العملية الدقيقة، من أهمها ضرورة وجود شاهدين على كل آية، ووقفوا عند آخر آيتين في سورة التوبة(١٢)، ولم يجدوا إلا شاهدا واحدا هو " خزيمة "، وصدّقوا " خزيمة " وكتبوا الآيتين عنه ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد منحه وساما، حين قال عنه :" من شهد له خزيمة فهو حسبه " (١٣).
إذن : فإطلاق صفة الكتاب على القرآن، سببها أنه مكتوب، وهو قرآن ؛ لأنه مقروء.
ولم تكن الكتابة في الأزمنة القديمة مسألة سهلة، فلم يكن يكتب إلا النفيس من الأعمال، أو لأن القرآن كتاب ؛ لأنه في الأصل مكتوب في اللوح المحفوظ.
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفا القرآن :﴿كتاب أحكمت آياته.. ( ١ )﴾[ هود ] : ومادة الحاء والكاف والميم(١٤) تدل على أمر محس وهو إتقان البناء، بحيث يمنع عنه الفساد ؛ فلا خلل فيه، ولا تناقض، ولا تعارض ولا انهيار.
ولابد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء ؛ حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله. هذا هو إحكام البناء في عالم المحسّات. وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن، وهو الجامع لكل المنهج بأنه :﴿كتاب أحكمت آياته.. ( ١ )﴾[ هود ] : فخذوا من هذا الإحكام(١٥) ما يمنع فسادكم ؛ لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه، وعقد معه الفساد يكون الإصلاح والصلاح.
ولو نظرت إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة، ومن اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاما وفصولا ونجوما.
إذن : فالقرآن قد أحكم أولا، ثم فصل(١٦).
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت.. ( ١ )﴾[ هود ].
والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور، والفواصل الصغيرة هي الآيات، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن، فقسموه إلى ثلاثين جزءا، وكل جزء قسموه إلى حزبين، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع، لكن التفصيل الذي جاء لنا من القرآن أنه سور، وكل سورة هي مجموعة من الآيات.
وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحكم وفصّل ؛ لأنه نزل منهجا جامعا من الله سبحانه وتعالى.
وحين تنظر إليه تجده منوّعا، فمرة يتكلم في العقيدة وقمتها، ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي، والمعجزات، ومرة يتكلم في الأحكام، ومرة يتكلم في القصص، والأخلاقيات، والكونيات. ومرة يتكلم في علم الفرائض(١٧).
إذن : فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى، وهو يتناول معاني كثيرة، وكل معنى تتطلبه العقيدة، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل.
أو أحكم نزولا ؛ لأنه قد نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم فصّل حسب الحوادث، وهذا ادعى إلى أن تتعلق النفس بكل نجم من نجوم القرآن حين ينزل وقت طلبه.
وأنت حين تعد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت، قد تأتي فيها بكل الأدوية، لكن إن أصابك صداع، فقد تفتش عن أقراص " الأسبرين " فلا تجدها. أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة، فسوف تجد " الأسبرين " حين تحتاجه.
وكذلك حين تكون ظمآن، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة الماء رغم أنها أمامك، وذلك بسبب لهفة العطش.
إذن : فنزول القرآن منجما شاءه الحق_سبحانه-لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿وقرآنا فرقناه(١٨) لتقرأه على الناس على مكث(١٩) ونزلناه تنزيلا( ١٠٦ )﴾[ الإسراء ].
وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين :﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.. ( ٢٢ )﴾[ الفرقان ].
فيكون الرد من الحق سبحانه :﴿.. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا( ٣٢ )﴾[ الفرقان ].
ولو كان القرآن قد نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التفت الناس إلى كل ما جاء فيه، ولكن شاء الحق سبحانه وتعالى أن ينزل القرآن منجّما(٢٠) على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون في كل نجم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقف المختلفة، والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أمته من بعده في حاجة إلى تثبيتات متعددة حسب الأحداث التي تعترضهم، ولذلك قال الحق سبحانه :﴿.. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا(٢١)( ٣٢ )﴾[ الفرقان ].
فساعة أن يسمع المؤمنون نجما من نجوم القرآن، يكونون أقدر على استيعابه وحفظه وتطبيق الأحكام التي جاءت فيه.
ولم ينزل الحق سبحانه آية واحدة، بل أنزل آيات، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما، فهو سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلا ؛ ولذلك يقول سبحانه :﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا( ٣٣ )﴾[ الفرقان ].
ولو نزل القرآن جملة واحدة، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن :{ يسألونك
﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير( ١ )﴾ : وتبدأ الآية بحروف توقيفية مقطعة من الحروف التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، أي : أن كل حرف من تلك الحروف ينطق بمفرده، والحرف-كما نعلم-له اسم، وله مسمى، ونحن حين نكتب أو نتكلم نكتب أو ننطق بمسمى الحرف لا باسمه.
ولكن بعض سور القرآن الكريم تبدأ بحروف نقرأها باسم الحرف، وما عداها ينطق فيها بمسميات الحرف.
وإن أردنا معرفة الفارق بينهما، فنحن نقرأ في أول سورة البقرة ونقول :" ألف. لام. ميم " رغم أنها مكتوبة :﴿الم( ١ )﴾(٢) [ البقرة ] : إذن : فنحن ننطقها بمسميات الحروف عكس قراءتنا لقول الحق سبحانه :﴿ألم نشرح(٣) لك صدرك﴾[ الشرح ] : ونحن ننطقها بأسماء الحروف.. لماذا ؟
لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، والقرآن أصله سماع، وأنت لا تقرأ قرآنا إلا إذا سمعت قرآنا ؛ لتعرف كيف تقرأ الحروف المقطعة بأسماء الحروف، وتقرأ بقية الآيات بمسميات الحروف.
وكنا قديما قبل أن نحفظ القرآن " نصحح " اللوح، أي : أن يقرأ الفقيه أولا ليعلمنا كيف نقرأ أن نحفظ.
والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يقرأوا القرآن الكريم دون أن يجلسوا إلى فقيه أو دون أن يستمعوا إلى قارئ للقرآن.
ونقول لهم : إن القرآن ليس كتابا عاديا نقرأه، إن القرآن كتاب له خاصية مميزة، فصور الحروف تختلف، فمرة ننطق اسم الحرف، ومرة نقرأ مسمى الحرف.
وقوله الحق سبحانه :﴿الم﴾ في أول سورة هود ؛ يجعلنا نلحظ أنه من العجيب في فواتح السور-التي بدأت بهذه الحروف-أن القرآن مبنيّ على الوصل دائما، فأنت لا تأتي إلى آخر الآية وتقف، لا، بل كل القرآن وصل، مثلما نقرأ قول الله سبحانه :﴿مدهامتان(٤)( ٦٣ )فبأي آلاء(٥) ربكما تكذبان( ٦٥ )فيهما عينان نضاختان(٦)( ٦٦ )﴾[ الرحمن ].
وإن كان هناك فاصل بين كل آية وغيرها، إلا أن الآيات كلها مبنية على الوصل.
وفي آخر سورة يونس يقول الحق سبحانه :﴿.. وهو خير الحاكمين( ١٠٩ )﴾[ يونس ].
فلو لم تكن موصولة لنطقت الحرف الأخير مبينا على السكون، ولكنك تقرأه منصوبا بالفتحة. وهي موصولة بما بعدها ( بسم الله الرحمن الرحيم ).
ومن العجيب أن فواتح السور مع أنها مكونة من حروف مبينة على الوصل إلا أننا نقرأ كل حرف موقوفا، فلا نقول :{ ألف لام ميم " بل نقول :" ألف لام ميم ".
وكذلك نقرأ في أول سورة مريم " كاف هاء ياء عين صاد "، ولا نقرأ الحروف بتشكيلها الإعرابي، وهذا يدل على أن لها حكمة لا نعرفها.
وفي القرآن آيات بدئت بحرف واحد مثل قول الحق سبحانه :﴿ص والقرآن ذي الذكر( ١ )﴾[ ص ]، وقول الحق سبحانه :﴿ق والقرآن المجيد( ١ )﴾[ ق ]، وقوله الحق سبحانه :﴿ن والقلم وما يسطرون(٧)( ١ )﴾[ القلم ] : ونلحظ أن الحرف في هذه السورة ليس آية، ولكنك تقرأ قول الحق سبحانه :﴿حم( ١ )﴾(٨) [ الشورى ] : وهي آية، وكذلك تقرأ قول الحق سبحانه :﴿عسق( ٢ )﴾[ الشورى ] كآية مع أنها حروف مقطعة، وتقرأ قول الحق سبحانه :﴿كهيعص( ١ )﴾[ مريم ] كآية بمفردها.
وتقرأ قول الحق سبحانه :﴿طه( ١ )﴾[ طه ] كأية بمفردها. وكذلك تقرأ الحق :﴿يس( ١ )﴾[ يس ] كأية بأكملها.
وتجد أيضا :﴿المص( ١ )﴾[ الأعراف ] كآية. و﴿طسم( ١ )﴾[ الشعراء، والقصص ] كآية.
ونجد أيضا﴿المر.. ( ١ )﴾[ الرعد ] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة.
وتقرأ في أول سورة النمل :﴿طس( ١ )﴾ ملتحمة بما بعدها في آية واحدة.
إذن : فالمسألة لا نسق لها، ومعنى ذلك أن لكل موقف وكل حرف حكمة، والحكمة نجدها حين نتأمل العالم المادي في الحياة، فنفطن إلى عبر الله سبحانه وتعالى فآيات الكون المحسّة، ويجد الدليل على صدق الله تعالى فيما لم نعلم.
ومثال ذلك : حين ينزل الإنسان في فندق راق فهو يجد لكل غرفة مفتاحا، وهذا المفتاح لا يفتح إلا باب غرفة واحدة، ولكن في كل طابق من طوابق الفندق هناك مفتاح مع المسئول عن الطابق يسمى " سيد المفاتيح " وهو يفتح كل غرف الطابق، وقد صنعوا ذلك ؛ حتى لا يفتح كل نزيل غرفة الأخر.
ومع التقدم العلمي جعلوا الآن لكل غرفة بطاقة الكترونية، ما إن يدخلها الإنسان من فتحة معينة من باب الغرفة حتى ينفتح الباب، وكل غرفة لها بطاقة معينة، وأيضا يوجد مع مسئول الطابق في الفندق بطاقة واحدة، تفتح كل غرف الطابق.
وأنت حين تقرأ فواتح السور فافهم أن كل آية لها مفتاح، وكل حرف في هذه الفواتح قد يشبه المفتاح، وإن لم يكن معك المفتاح ذو الأسنان التي تفتح باب الغرفة ؛ فلن تنفتح لك السورة.
إذن : فكتاب الله له مفاتيح، ونحن نقرأ حروفا مقطّعة على أنها آية، أو نقرأها كجزء من آية.
وتقول من قبل القراءة :" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " (٩) لتخلص نفسك من الأغيار المناقضة لمنهج قائل القرآن، ثم تضع البطاقة الخاصة مثل قول الحق سبحانه وتعالى :﴿الم( ١ )﴾[ البقرة ]. فينفتح لك باب القراءة.
وهكذا نعرف أن هناك مفتاحا، وأن هناك فاتحا.
وخذ فواتح السور على أنها مفاتيح، وكل مفتاح له شكل ونحت معين، إن نقلته لسورة أخرى فهو لا يفتحها.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿الر﴾ وهي مكونة من ثلاثة حروف، مثل﴿الم﴾، وقد وردت في خمس سور من القرآن الكريم هي : يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر.
ولكن ﴿الم﴾ تقرأ كآية، ولكنها هنا في مقدمة سورة " هود " جزء من آية رغم أنك تقرأها مثلها مثل سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة إبراهيم، وتقرأها كآية.
وأيضا ( المص ) هي أربعة حروف تقرأها آية في سورة الأعراف، وهناك أربعة حروف في أول سورة الرعد، وتقرأها كجزء من آية في سورة الأعراف.
إذن : فليس هناك قانون لهذه الحروف التي في أوائل السور، بل كل حرف له خصوصية لم تتكشف كل أسرارها بعد(١٠)، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى قولهم " الله أعلم بمراده ".
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿الر كتاب أحكمت آياته( ١ )﴾[ هود ] : والله سبحانه يقول مرة عن القرآن أنه :﴿كتاب﴾ ومرة يقول :﴿قرآن( ٦١ )﴾[ يونس ].
والقرآن يقرأ، والكتاب يكتب، وشاء الحق سبحانه ذلك ؛ ليدلّك على أن الحافظ للقرآن مكانان : صدور، وسطور. فإن ضلّ الصدر، تذكر السطر.
ولذلك حين أراد المسلمون الأوائل جمع القرآن(١١)، ومطابقة ما في الصدور على ما في السطور، وضعوا أسسا لتلك العملية الدقيقة، من أهمها ضرورة وجود شاهدين على كل آية، ووقفوا عند آخر آيتين في سورة التوبة(١٢)، ولم يجدوا إلا شاهدا واحدا هو " خزيمة "، وصدّقوا " خزيمة " وكتبوا الآيتين عنه ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد منحه وساما، حين قال عنه :" من شهد له خزيمة فهو حسبه " (١٣).
إذن : فإطلاق صفة الكتاب على القرآن، سببها أنه مكتوب، وهو قرآن ؛ لأنه مقروء.
ولم تكن الكتابة في الأزمنة القديمة مسألة سهلة، فلم يكن يكتب إلا النفيس من الأعمال، أو لأن القرآن كتاب ؛ لأنه في الأصل مكتوب في اللوح المحفوظ.
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفا القرآن :﴿كتاب أحكمت آياته.. ( ١ )﴾[ هود ] : ومادة الحاء والكاف والميم(١٤) تدل على أمر محس وهو إتقان البناء، بحيث يمنع عنه الفساد ؛ فلا خلل فيه، ولا تناقض، ولا تعارض ولا انهيار.
ولابد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء ؛ حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله. هذا هو إحكام البناء في عالم المحسّات. وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن، وهو الجامع لكل المنهج بأنه :﴿كتاب أحكمت آياته.. ( ١ )﴾[ هود ] : فخذوا من هذا الإحكام(١٥) ما يمنع فسادكم ؛ لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه، وعقد معه الفساد يكون الإصلاح والصلاح.
ولو نظرت إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة، ومن اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاما وفصولا ونجوما.
إذن : فالقرآن قد أحكم أولا، ثم فصل(١٦).
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت.. ( ١ )﴾[ هود ].
والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور، والفواصل الصغيرة هي الآيات، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن، فقسموه إلى ثلاثين جزءا، وكل جزء قسموه إلى حزبين، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع، لكن التفصيل الذي جاء لنا من القرآن أنه سور، وكل سورة هي مجموعة من الآيات.
وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحكم وفصّل ؛ لأنه نزل منهجا جامعا من الله سبحانه وتعالى.
وحين تنظر إليه تجده منوّعا، فمرة يتكلم في العقيدة وقمتها، ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي، والمعجزات، ومرة يتكلم في الأحكام، ومرة يتكلم في القصص، والأخلاقيات، والكونيات. ومرة يتكلم في علم الفرائض(١٧).
إذن : فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى، وهو يتناول معاني كثيرة، وكل معنى تتطلبه العقيدة، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل.
أو أحكم نزولا ؛ لأنه قد نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم فصّل حسب الحوادث، وهذا ادعى إلى أن تتعلق النفس بكل نجم من نجوم القرآن حين ينزل وقت طلبه.
وأنت حين تعد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت، قد تأتي فيها بكل الأدوية، لكن إن أصابك صداع، فقد تفتش عن أقراص " الأسبرين " فلا تجدها. أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة، فسوف تجد " الأسبرين " حين تحتاجه.
وكذلك حين تكون ظمآن، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة الماء رغم أنها أمامك، وذلك بسبب لهفة العطش.
إذن : فنزول القرآن منجما شاءه الحق_سبحانه-لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿وقرآنا فرقناه(١٨) لتقرأه على الناس على مكث(١٩) ونزلناه تنزيلا( ١٠٦ )﴾[ الإسراء ].
وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين :﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.. ( ٢٢ )﴾[ الفرقان ].
فيكون الرد من الحق سبحانه :﴿.. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا( ٣٢ )﴾[ الفرقان ].
ولو كان القرآن قد نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التفت الناس إلى كل ما جاء فيه، ولكن شاء الحق سبحانه وتعالى أن ينزل القرآن منجّما(٢٠) على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون في كل نجم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقف المختلفة، والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أمته من بعده في حاجة إلى تثبيتات متعددة حسب الأحداث التي تعترضهم، ولذلك قال الحق سبحانه :﴿.. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا(٢١)( ٣٢ )﴾[ الفرقان ].
فساعة أن يسمع المؤمنون نجما من نجوم القرآن، يكونون أقدر على استيعابه وحفظه وتطبيق الأحكام التي جاءت فيه.
ولم ينزل الحق سبحانه آية واحدة، بل أنزل آيات، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما، فهو سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلا ؛ ولذلك يقول سبحانه :﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا( ٣٣ )﴾[ الفرقان ].
ولو نزل القرآن جملة واحدة، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن :{ يسألونك
١ سورة هود هي سورة الحادية عشرة في ترتيب سور القرآن، وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وغيرهما. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية، وهي قوله تعالى:{وأقم الصلاة طرفي النهار..(١١٤)}[هود]. وعدد آياتها (١٢٣) آية.
سميت باسم نبي الله هود عليه السلام، الذي أرسل إلى قوم ثمود، ذكر فيها اسم النبي هود ٥ مرات. وذكر في سورة الشعراء آية ١٢٤، وفي الأعراف آية ٦٥.
قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١/٣٥٨).
قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في "نوادر الأصول": فالفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كل شعرة منبع، ومنه يعرق، فإذا نشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر فابيض، كما ترى الزرع الأخضر بسقائه، فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض.
فالنفس تذهل بوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله، فتذبل، وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به، فمنه تشيب.
وسورة هود، فيها ذكر الأمم، وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى، فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع لحق لهم، ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف بهم في تلك الأحايين حتى يقرءوا كلامه. نقله القرطبي في تفسيره (٤/٣٣١٩).
.
٢ ﴿الم﴾ ذكرت في افتتاح ست سور هي: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة. وتحسب آية مستقلة..
٣ أي: وسعناه معنويا، وأنزلنا عنه الضيق والهم. والمراد: أرضيناك وسررناك. أو هو شق الصدر فعلا حسيا. أو هم معا.[القاموس القويم]..
٤ مدهامتان: سوداوان من شدة خضرتهما وكثرة الظلال وهذا كناية عن النعيم التام (وهو وصف للجنتين اللتين ورد ذكرهما في قول الله تعالى في آية:﴿ومن دونهما جنتان(٦٢)﴾[الرحمن]..
٥ الآلاء: النعم، مفردها: إلي أو إلى (بكسر الهمزة، وبفتحها) قال تعالى:﴿.. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون(٦٩)﴾[الأعراف]، وقال تعالى:﴿فبأي آلاء ربك تتمارى(٥٥)﴾[النجم].[القاموس القويم-بتصرف]..
٦ نضاختان: فوراتان بالماء لا ينقطعان. ويخرج ماؤهما غزيرا، ونضاخة: صيغة مبالغة تدل على الكثرة.[تفسير الجلالين: ص ٤٧٠]و[القاموس القويم] بتصرف..
٧ يسطرون: يكتبون. من سطر الكتاب أي: جعله سطورا..
٨ ﴿حم﴾: ذكرت في افتتاح سبع هي: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. وتحسب آية مستقلة-والله أعلم بمعناها.[القاموس القويم]. وتسمى الحواميم..
٩ قال عز وجل:﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم(٩٨)﴾[النحل]، عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها. أورده السيوطي في الدر المنثور(٥/١٦٥) طبعة الفكر، وعزاه لعبد الرزاق في المصنف وابن المنذر..
١٠ قال السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن"(٣/٢١):"المختار فيها أنها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى. عن عامر الشعبي: أنه سئل عن فواتح السور. فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا الكتاب فواتح السور".
قال ابن كثير في تفسيره (١/٣٧):"مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي: أ ل م ص ر ك هـ ى ع ط س ح ق ن-يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر"..
١١ المقصود به هنا جمع القرآن عل عهد أبي بكر رضي الله عنه، بعد أن اشتد القتل بقراء القرآن في الغزوات، فأشار عليه عمر بجمع القرآن، فأرسل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه وقال له: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فأخذ زيد يجمعه من العسب(هو سعف النخيل) واللخاف (حجارة بيض عريضة رقاق) وصدور الرجال. انظر الإتقان في علوم القرآن (١/١٦٥)..
١٢ هاتان الآيتان هما:﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم(١٢٨) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم(١٢٩)﴾[التوبة]..
١٣ أخرجه الحاكم في مستدركه(٢/١٨) والطبراني في معجمه الكبير(٤/١٠١) من حديث خزيمة بن ثابت. قال الهيثمي في المجمع (٩/٣٢٠):"رجاله كلهم ثقات"..
١٤ أحكم الأمر: أتقنه. قال تعالى:﴿ثم يحكم الله آياته..(٥٢)﴾[الحج]، أي: يبينها ويجعلها متقنة مقنعة محكمة، وآيات محكمة: متقنة مقنعة واضحة، وقيل: محكمة غير منسوخة أو محكمة غير متشابهة فلا تحتاج إلى تأويل، قال تعالى:﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات..(٧)﴾]آل عمران]، وقال تعالى:﴿فإذا أنزلت سورة محكمة..(٢٠)﴾[محمد]
أي: متقنة.[القاموس القويم]..
١٥ قال القرطبي في تفسيره(٤/٣٣٢٠):"أحسن ما قيل في معنى:﴿أحكمت آياته..(١)﴾[هود] قول قتادة، أي: جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل، والإحكام منع القول من الفساد، أي: نظمت نظما محكما، لا يلحقها تناقض ولا خلل"..
١٦ فصل الشيء: جعله أقساما متميزة واضحة، قال تعالى:﴿.. وكل شيء فصلناه تفصيلا(١٢)﴾[الإسراء]، وقال تعالى:﴿آيات مفصلات..(١٣٣)﴾[الأعراف] أي: معجزات مبينات واضحات، وقال تعالى:﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم..(٥٢)﴾[الأعراف]..
١٧ الفرائض المعنى بها علم المواريث، أخذا مما فرضه الله لكل واحد من أصحاب الفروض..
١٨ قرئت هذه الكلمة بقراءتين: فرقناه، فرقناه (بتشديد الراء)-فعلى القراءة الأولى فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس.
-وعلى القراءة الثانية فمعناه: أنزلناه آية مبينا مفسرا، قال ابن عباس أيضا. ولهذا قال:﴿لتقرأه على الناس..(١٠٦)﴾أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم:﴿على مكث﴾أي: مهل.﴿ونزلناه تنزيلا﴾ أي: شيئا بعد شيء. تفسير ابن كثير (٣/٦٨)..
١٩ مكث: أقام في مكانه، وتفيد التأني وعدم العجلة. وقوله تعالى:﴿لتقرأه على الناس على مكث..(١٠٦)﴾[الإسراء] أي: على مهل وتأن بغير عجلة في أزمنة متطاولة. وقال تعالى:﴿فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به..(٢٢)﴾[النمل] أي: استمر الهدهد في غيبته مدة طويلة. وقال تعالى:﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..(١٧)﴾[الرعد] أي: يبقى مدة طويلة فيها فيزيدها خصبا. وقال تعالى:﴿امكثوا إني آنست نارا..(١٠)﴾[طه] أي: أقيموا في مكانكم منتظرين.[القاموس القويم]..
٢٠ منجما: مفرقا؛ لأن القرآن أنزل على سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم آية آية، وكان بين أول ما نزل منه وآخره عشرون سنة.[لسان العرب، مادة: نجم] فنزول القرآن كان منجما حسب مقتضى حال الدعوة، فالآيات المكية تناولت العقيدة وتقويم العادات، وإعلاء القيم والتمهيد لعبادة الله، والآيات المدنية تناولت العبادات والمعاملات لإقامة صرح العدالة في المجتمع..
٢١ رتلناه ترتيلا: أنزلناه مرتلا منسقا مجودا حسن التأليف [القاموس القومي] قال ابن منظور في اللسان "أي: أنزلناه على الترتيل، وهو ضد العجلة والتمكث فيه"..
سميت باسم نبي الله هود عليه السلام، الذي أرسل إلى قوم ثمود، ذكر فيها اسم النبي هود ٥ مرات. وذكر في سورة الشعراء آية ١٢٤، وفي الأعراف آية ٦٥.
قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١/٣٥٨).
قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في "نوادر الأصول": فالفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كل شعرة منبع، ومنه يعرق، فإذا نشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر فابيض، كما ترى الزرع الأخضر بسقائه، فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض.
فالنفس تذهل بوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله، فتذبل، وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به، فمنه تشيب.
وسورة هود، فيها ذكر الأمم، وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى، فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع لحق لهم، ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف بهم في تلك الأحايين حتى يقرءوا كلامه. نقله القرطبي في تفسيره (٤/٣٣١٩).
.
٢ ﴿الم﴾ ذكرت في افتتاح ست سور هي: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة. وتحسب آية مستقلة..
٣ أي: وسعناه معنويا، وأنزلنا عنه الضيق والهم. والمراد: أرضيناك وسررناك. أو هو شق الصدر فعلا حسيا. أو هم معا.[القاموس القويم]..
٤ مدهامتان: سوداوان من شدة خضرتهما وكثرة الظلال وهذا كناية عن النعيم التام (وهو وصف للجنتين اللتين ورد ذكرهما في قول الله تعالى في آية:﴿ومن دونهما جنتان(٦٢)﴾[الرحمن]..
٥ الآلاء: النعم، مفردها: إلي أو إلى (بكسر الهمزة، وبفتحها) قال تعالى:﴿.. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون(٦٩)﴾[الأعراف]، وقال تعالى:﴿فبأي آلاء ربك تتمارى(٥٥)﴾[النجم].[القاموس القويم-بتصرف]..
٦ نضاختان: فوراتان بالماء لا ينقطعان. ويخرج ماؤهما غزيرا، ونضاخة: صيغة مبالغة تدل على الكثرة.[تفسير الجلالين: ص ٤٧٠]و[القاموس القويم] بتصرف..
٧ يسطرون: يكتبون. من سطر الكتاب أي: جعله سطورا..
٨ ﴿حم﴾: ذكرت في افتتاح سبع هي: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. وتحسب آية مستقلة-والله أعلم بمعناها.[القاموس القويم]. وتسمى الحواميم..
٩ قال عز وجل:﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم(٩٨)﴾[النحل]، عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها. أورده السيوطي في الدر المنثور(٥/١٦٥) طبعة الفكر، وعزاه لعبد الرزاق في المصنف وابن المنذر..
١٠ قال السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن"(٣/٢١):"المختار فيها أنها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى. عن عامر الشعبي: أنه سئل عن فواتح السور. فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا الكتاب فواتح السور".
قال ابن كثير في تفسيره (١/٣٧):"مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي: أ ل م ص ر ك هـ ى ع ط س ح ق ن-يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر"..
١١ المقصود به هنا جمع القرآن عل عهد أبي بكر رضي الله عنه، بعد أن اشتد القتل بقراء القرآن في الغزوات، فأشار عليه عمر بجمع القرآن، فأرسل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه وقال له: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فأخذ زيد يجمعه من العسب(هو سعف النخيل) واللخاف (حجارة بيض عريضة رقاق) وصدور الرجال. انظر الإتقان في علوم القرآن (١/١٦٥)..
١٢ هاتان الآيتان هما:﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم(١٢٨) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم(١٢٩)﴾[التوبة]..
١٣ أخرجه الحاكم في مستدركه(٢/١٨) والطبراني في معجمه الكبير(٤/١٠١) من حديث خزيمة بن ثابت. قال الهيثمي في المجمع (٩/٣٢٠):"رجاله كلهم ثقات"..
١٤ أحكم الأمر: أتقنه. قال تعالى:﴿ثم يحكم الله آياته..(٥٢)﴾[الحج]، أي: يبينها ويجعلها متقنة مقنعة محكمة، وآيات محكمة: متقنة مقنعة واضحة، وقيل: محكمة غير منسوخة أو محكمة غير متشابهة فلا تحتاج إلى تأويل، قال تعالى:﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات..(٧)﴾]آل عمران]، وقال تعالى:﴿فإذا أنزلت سورة محكمة..(٢٠)﴾[محمد]
أي: متقنة.[القاموس القويم]..
١٥ قال القرطبي في تفسيره(٤/٣٣٢٠):"أحسن ما قيل في معنى:﴿أحكمت آياته..(١)﴾[هود] قول قتادة، أي: جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل، والإحكام منع القول من الفساد، أي: نظمت نظما محكما، لا يلحقها تناقض ولا خلل"..
١٦ فصل الشيء: جعله أقساما متميزة واضحة، قال تعالى:﴿.. وكل شيء فصلناه تفصيلا(١٢)﴾[الإسراء]، وقال تعالى:﴿آيات مفصلات..(١٣٣)﴾[الأعراف] أي: معجزات مبينات واضحات، وقال تعالى:﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم..(٥٢)﴾[الأعراف]..
١٧ الفرائض المعنى بها علم المواريث، أخذا مما فرضه الله لكل واحد من أصحاب الفروض..
١٨ قرئت هذه الكلمة بقراءتين: فرقناه، فرقناه (بتشديد الراء)-فعلى القراءة الأولى فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس.
-وعلى القراءة الثانية فمعناه: أنزلناه آية مبينا مفسرا، قال ابن عباس أيضا. ولهذا قال:﴿لتقرأه على الناس..(١٠٦)﴾أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم:﴿على مكث﴾أي: مهل.﴿ونزلناه تنزيلا﴾ أي: شيئا بعد شيء. تفسير ابن كثير (٣/٦٨)..
١٩ مكث: أقام في مكانه، وتفيد التأني وعدم العجلة. وقوله تعالى:﴿لتقرأه على الناس على مكث..(١٠٦)﴾[الإسراء] أي: على مهل وتأن بغير عجلة في أزمنة متطاولة. وقال تعالى:﴿فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به..(٢٢)﴾[النمل] أي: استمر الهدهد في غيبته مدة طويلة. وقال تعالى:﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..(١٧)﴾[الرعد] أي: يبقى مدة طويلة فيها فيزيدها خصبا. وقال تعالى:﴿امكثوا إني آنست نارا..(١٠)﴾[طه] أي: أقيموا في مكانكم منتظرين.[القاموس القويم]..
٢٠ منجما: مفرقا؛ لأن القرآن أنزل على سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم آية آية، وكان بين أول ما نزل منه وآخره عشرون سنة.[لسان العرب، مادة: نجم] فنزول القرآن كان منجما حسب مقتضى حال الدعوة، فالآيات المكية تناولت العقيدة وتقويم العادات، وإعلاء القيم والتمهيد لعبادة الله، والآيات المدنية تناولت العبادات والمعاملات لإقامة صرح العدالة في المجتمع..
٢١ رتلناه ترتيلا: أنزلناه مرتلا منسقا مجودا حسن التأليف [القاموس القومي] قال ابن منظور في اللسان "أي: أنزلناه على الترتيل، وهو ضد العجلة والتمكث فيه"..