تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
يقول تعالى :﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾، قال ابن عباس : الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، أي تنفسهم زفير وأخذهم النفسق شهيق، لما هم فيه من العذاب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ قال ابن جرير : من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت : هذا دائم، دوام السماوات والأرض، وكذلك يقولون : هو باق ما اختلف الليل والنهار، يعنون بذلك كله أبداً، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم، فقال :﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ قلت : ويحتمل أن المراد بما دامت السماوات والأرض الجنس، لأنه لا بد في عالم الآخرة من سماوات والأرض، كما قال تعالى :﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨]، ولهذا قال الحسن البصري في قوله :﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ قال : يقول سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض، وعن ابن عباس قال : لكل جنة سماء وأرض، وقال ابن أسلم : ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء، وقوله :﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾، كقوله :﴿النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة نقل كثيراً منها ابن جرير رحمه الله، واختار أن الاستثناء عائد على ( العصاة ) من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من لم يعمل خيراً قط، وقال يوماً من الدهر ﴿لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها، وهذا الذي عليه كثير العلماء قديماً وحديثاً، وقال السدي : هي منسوخة بقوله :﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ [النساء: ٧٥].