اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾ الآية.
لمَّا بيَّن إصرار كُفَّار مكَّة على إنكارِ التَّوحيدِ، وبيَّن إصرارهم على إنكار نُبُوَّةِ محمَّدٍ ﷺ وتكذيبهم بكتابه، بيَّن أنَّ هؤلاء الكُفَّار كانوا على هذه السيرة الفاجرةِ، مع كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-، وضرب لذلك مثلاً، وهي إنزالُ التوراة على موسى فاختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره بعضهم، وذلك يدلُّ على أنَّ عادة الخلق هكذا.
قوله :﴿فاختلف فِيهِ﴾ أي : في الكتابِ، و " في " على بابها من الظَّرفية، وهو هنا مجاز، أي : في شأنه. وقيل : هي سببية، أي : هو سببُ اختلافهم، كقوله تعالى :﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] أي : يُكثِّرهم بسببه. ومعنى اختلافهم فيه : أي : فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن، يُغَزِّي نبيَّهُ ﷺ.
وقيل :" فِي " بمعنى " عَلَى " ويكون الضّمير لموسى - عليه الصلاة والسلام- أي : فاختلف عليه " ولْولاَ كملةٌ سبقتْ من ربِّكَ " في تأخير العذاب عنهم :" لقُضِيَ بينَهُم " أي : لعذَّبُوا في الحالِ، لكن قضاؤه أخَّر ذلك عنهم في دنياهم.
وقيل : معناه أنَّ الله إنَّما يحكم بين المختلفين يوم القيامة، وإلاَََّ لكان الواجب تمييز المُحقِّ من المبطل في دار الدنيا.
وقيل : المعنى ولولا أنَّ رحمته سبقت غضبه، وإلاَّ لقضي بينهم. ثم قال :﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ يعني أنَّ كفَّار مكَّة لفي شكِّ من هذا القرآن " مُريبٍ " من أراب إذا حصل الرِّيب لغيره، أو صار هو في نفسه ذا رَيْب، وقد تقدَّم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى