التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - أن اختلاف الناس فى الحق موجود قبل بعثة النبى - ﷺ - فقال :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ..﴾.
أى : كما اختلف قومك - أيها الرسول الكريم - فى شأن القرآن الكريم فمنهم من وصفه بأنه أساطير الأولين، فقد اختلف قوم موسى من قبلك فى شأن التوراة التى أنزلها الله على نبيهم موسى لهدايتهم، إذ منهم من آمن بها ومنهم من كفر...
وما دام الأمر كذلك، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لاختلاف قومك فى شأن القرآن الكريم، فإن هذا الاختلاف شأن الناس فى كل زمان ومكان والمصيبة إذا عمت خفت.
فالجملة الكريمة تسلية للرسول - ﷺ - عما أصابه من مشركى قومه.
وجاء الفعل ﴿اختلف﴾ بصيغة المبنى للمجهول، لأن ذكر فاعل الاختلاف لا يتلعق به غرض، وإنما الذى يتعلق به الغرض هو ما نجم عن هذا الاختلاف من كفر وضلال.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال :﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ...﴾.
والمراد بالكلمة التى سبقت : تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، وعدم إهلاكهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا.
قال الشوكانى : قوله - سبحانه - ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ...﴾ أى : لولا أن الله - تعالى - قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم فى ذلك من الصلاح، لقضى بينهم، أى : بين قومك، أو بين قوم موسى، فيما كانوا فيه مختلفين فأثيب المحق وعذب المبطل، أو الكلمة ؛ هى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك.
وقيل إن الكلمة هى أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له - ﷺ -.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله :{ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ.
والمريب اسم فاعل من أراب. يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة والحيرة.
أى : وإن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب لفى شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم فى الريبة والتخبط والاضطراب.
وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق.
وبعض المفسرين يرى عودة الضمير فى قوله ﴿وإنهم﴾ إلى قوم موسى، وفى قوله ﴿منه﴾ إلى كتابهم التوراة.
وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبى - ﷺ - والثانى إلى القرآن الكريم.
والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر فى معىن الآية، لأن الكلام فى موسى - عليه السلام - وقومه الذين اختلفوا فى شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول.
وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول - ﷺ - كانوا فى شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك فى الريبة والحيرة.
فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول - ﷺ - عما قاله بعض المشركين فى شأن القرآن الكريم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى