تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) أي التوراة ( فاختلف فيه ) أي اختلف في الكتاب والاختلاف فيه يحتمل وجوها ثلاثة :
أحدها : في الإيمان به والكفر ؛ منهم من آمن به، ومنهم من كفر.
والثاني : اختلفوا فيه في الزيادة والنقصان والتبديل والتحويل والتحريف كقوله :( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب )الآية[آل عمران: ٧٨] وكقوله :( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم )[البقرة: ٧٩] وكقوله :( يحرفون الكتاب عن مواضعه )[النساء: ٤٦] وأمثاله من الآيات.
والوجه الثالث : من الاختلاف : اختلافهم[ في الأصل وم : اختلفوا ] في تأويله وفي معناه بعد ما آمنوا به، وقبلوه. فالاختلاف في التأويل مما احتمل كتابنا. وأما التبديل والتحريف والزيادة والنقصان فإنه لا يحتمل لما ضمن الله حفظ هذا الكتاب بقوله :( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )[الحجر: ٩] وقوله[ في الأصل وم : وقال ] :( لا يأتيه الباطل )الآية[فصلت: ٤٢] وجعله منتشرا على ألسن الناس وقلوبهم، حتى من زاد، أو نقص، أو بدل، أو حرف شيئا، أو قدم، أو أخر، عرف ذلك.
فهو، والله أعلم، لا يحتمل هذا : نسخها، ولا شرائعه تبديلها وأما الكتب السالفة فإنما جعل حفظها إليهم بقوله :( بما استحفظوا من كتاب الله )[المائدة: ٤٤] فهو، والله أعلم، لما احتمل شرائعها وأحكامها بنسخها وتبديلها، لذلك كان الأمر ما ذكرنا قوله :( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ) ذكر هذا لرسول الله، يصبره على ما اختلف قومه في الكتاب الذي نزل عليه ؛ يقول : وقد اختلف في ما أنزل على من كان قبلك كما اختلف في ما أنزل عليك.
وقوله تعالى :( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ) بالهلاك هلاك استئصال واستيعاب.
وكلمته التي سبقت تحتمل [ وجوها :
أحدها ][ ساقطة من الأصل وم ] : ما كان من حكمه أن يختم الرسالة بمحمد، وأن يجعله خاتم النبيين، وأمنه آخر الأمم ؛ بهم تقوم الساعة، يحتمل أن تكون كلمته التي ذكر هذا الذي ذكرنا.
والثاني[ في الأصل وم : وتحتمل وجا آخر وهو ] : إن كان من حكمه أنهم إذا اختلفوا في الكتاب والدين، وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، ولا يجدون سبيلا إلى الدين أن يبعث رسولا، يبين لهم الدين، ويدعوهم إلى الهدى ؛ لولا هذا الحكم سبق، وإلا لقضى بينهم بالهلاك.
والثالث : لولا ما سبق منه أن يؤخر العذاب عن هذه الأمة إلى وقت، وإلا لقضى بينهم بالهلاك.
والرابع[ في الأصل وم : وقوله تعالى :( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ) ] : تحتمل الكلمة التي ذكر أنها سبقت في قوم موسى، وهو أنه لا يهلكهم بعد الغرق إهلاك استئصال، والتوراة إنما أنزلت من بعد [ الغرق ][ ساقطة من الأصل وم ]، وقد آمن من ( قوم موسى أمة يهدون بالحق )الآية[الأعراف: ١٥٩] وقوله تعالى :( وإنهم لفي شك منه مريب ) يحتمل قوله :( لفي شك منه ) في الدين ( مريب ).
و قال بعضهم :( لفي شك ) من العذاب ( مريب ) وقد ذكرنا الفرق بين الشك والريب في ما تقدم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى