التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب، الشاكين فى صدقه، سوف يجمعهم الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - تعالى - ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقد وردت فى هذه الآية الكريمة عدة قراءات متوارتة منها : قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد، إن ولما، وقد قيل فى تخريجها :
إن لفظ ﴿كلا﴾ اسم ﴿إن﴾ والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، واللام فى، ﴿لما﴾ هى الداخلة فى خبر ﴿إن﴾ وما بعد اللام هو حرف " من " الذى هو من حروف الجر، و " ما " موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل، فيحكون تقدير الكلام : وإن كلا " لمن ما " فقلبت النون ميما للإِدغام فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت واحدة منها للتخفيف، فصارت " لما " والجار والمجرور خبر " إن "، واللام فى ﴿ليوفينهم﴾، جواب قسم مضمر، والجملة صلة أو صفة ﴿لما﴾.
والتقدير : وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك ليوفينهم - سبحانه - جزاء أعمالهم بدون أن يلفت منهم أحد، إنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها.
وفى الآية الكريمة توكيدات متنوعة، حتى لا يشك فى نزول العذاب بالظالمين مهما تأجل، وحتى لا يشك أحد - أيضا - فى أن ما عليه المشركون هو الباطل الذى لا يعرفه الحق، وأنه الكفر الذى تلقاه الخلف عن السلف.
وكان مقتضى حال الدعوة الإِسلامية فى تلكالفترة التى نزلت فيها هذه السورة - وهى فترة ما بعد حادث الإِسراء والمعراج وقبل الهجرة - يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين، وتوهينا للشرك والمشركين.
قال الإِمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه - تعالى - لما أخبر عن توفية الأجيزة على المستحقين فى هذه الآية، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات :
أولها : كلمة " إن " وهى للتأكيد، وثانيها كلمة " كل " وهى أيضا للتأكيد، وثالثها : اللام الداخلة على خبر " إن " وهى تفيد التأكيد - أيضا -، ورابعها حرف " ما " إذا جعلناه على قول الفراء موصولا، وخامسها : القسم المضمر فإن تقدير الكلام : وإن جميعهم والله ليوفينهم : وسادسها : اللام الثانية الداخلة على جواب القسم، وسابعها : النون المؤكدة فى قوله " ليوفينهم ".
فجميع هذه المؤكدات السبتعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى