المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ الكسائي وأبو عمرو :«وإنَّ كلاًّ لمَا » بتشديد النون وتخفيف الميم من ﴿لما﴾ وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ حمزة بتشديدهما، وكذلك حفص عن عاصم ؛ وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - بتخفيف «إنْ » وتشديد الميم من «لمّا » وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم :«وإن كلاًّ لمَّاً » بتشديد الميم وتنوينها. وقرأ الحسن بخلاف :«وإنْ كلّ لما » بتخفيف «إن » ورفع «كلٌّ » وشد «لمّا » وكذلك قرأ أبان بن تغلب إلا أنه خفف «لما »، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود «وإن كل إلا ليوفينهم » وهي قراءة الأعمش، قال أبو حاتم : الذي في مصحف أبيّ :«وإن من كل إلا ليوفينهم أعمالهم ». فأما الأول ف «إن » فيها على بابها، و «كلاًّ » اسمها، وعرفها أن تدخل على خبرها لام. وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضاً على خبر «إن » فلما اجتمع لامان فصل بينهما ب «ما » - هذا قول أبي علي - والخبر في قوله ﴿ليوفينهم﴾(١)، وقال بعض النحاة : يصح أن تكون «ما » خبر «إن » وهي لمن يعقل لأنه موضع جنس وصنف، فهي بمنزلة من، كأنه قال : وإن كلاًّ لخلق ليوفينهم ؛ ورجح الطبري هذا واختاره(٢)، اما أنه يلزم القول أن تكون «ما » موصوفة إذ هي نكرة، كما قالوا : مررت بما معجب لك، وينفصل بأن قوله :﴿ليوفينهم﴾ يقوم معناه مقام الصفة، لأن المعنى : وإن كلاً لخلق موفى عمله، وأما من خففها - وهي القراءة الثانية في ترتيبنا فحكم «إن » وهي مخففة حكمها مثقلة، وتلك لغة فصيحة، حكى سيبويه أن الثقة أخبره : أنه سمع بعض العرب يقول : إن عمراً لمنطلق وهو نحو قول الشاعر :
ووجه مشرق النحركأن ثدييه حقان(٣)
رواه أبو زيد.
ويكون القول في فصل «ما » بين اللامين حسبما تقدم، ويدخلها القول الآخر من أن تكون «ما » خبر «إن »(٤) وأما من شددهما أو خفف «إنْ » وشدد «الميم »(٥) ففي قراءتيهما إشكال، وذلك أن بعض الناس قال : إن «لما » بمعنى إلا، كما تقول : سألتك لما فعلت كذا وكذا بمعنى إلا فعلت(٦) قال أبو علي : وهذا ضعيف لأن «لما » هذه لا تفارق القسم، وقال بعض الناس : المعنى لمن ما أبدلت النون ميماً، وأدغمت في التي بعدها فبقي «لمما » فحذفت الأولى تخفيفاً لاجتماع الأمثلة، كما قرأ بعض القراء ﴿والبغي يعظكم﴾(٧) به بحذف الياء مع الياء وكما قال الشاعر :
وأشمت العداة بنا فأضحوالدى يتباشرون بما لقينا(٨)
قال أبو علي وهذا ضعيف ؛ وقد اجتمع في هذه السورة ميمات أكثر من هذه في قوله :﴿أمم ممن معك﴾(٩) ولم يدغم هناك فأحرى أن لا يدغم هنا.
قال القاضي أبو محمد : وقال بعض الناس أصلها : لمن ما، ف «من » خبر «إن » و «ما » زائدة وفي التأويل الذي قبله أصله : لمن ما، ف «ما » هي الخبر دخلت عليها «من » على حد دخولها في قول الشاعر :
وإنا لمن ما نضرب الكبش ضربةعلى رأسه تلقي اللسان من الفم(١٠)
وقالت فرقة «لما » أصلها «لماً » منونة، والمعنى : وإن كلاً عاماً حصراً شديداً، فهو مصدر لم يلم، كما قال :﴿وتأكلون التراث أكلاً لمَّاً﴾(١١) أي شديداً قالت : ولكنه ترك تنوينه وصرفه وبني منه فعلى كما فعل في تترى فقرىء : تترى(١٢).
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر، حكي عن الكسائي أنه قال : لا أعرف وجه التثقيل في «لما »، قال أبو علي : وأما من قرأ «لمَّا » بالتنوين وشد الميم فواضح الوجه كما بينا، وأما من قرأ :«وإن كل لما » فهي المخففة من الثقيلة، وحقها - في أكثر لسان العرب - أن يرتفع ما بعدها، و «لما » هنا بمعنى إلا، كما قرأ جمهور القراء :﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾(١٣). ومن قرأ «إلا » مصرحة فمعنى قراءته واضح، وهذه الآية وعيد.
وقرأ الجمهور :«يعملون » بياء على ذكر الغائب، وقرأ الأعرج «تعملون » بتاء على مخاطبة الحاضر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى